اليسار التقدمي اليمني
كي نرى النور
ساعدني في دفع الظلام قليلاً
أو إمنع عني مخاوفك.
...
حينما أكون واضحاً
أفضل السير مع الأمل بعكازين
على إنتظار طائرة الحظ
والظروف المواتية.

اليسار التقدمي اليمني

منتدى ثوري فكري ثقافي تقدمي
 
الرئيسيةالرئيسية  رؤى يسارية..منترؤى يسارية..منت  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  دون رؤيتك  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مكتبة الشيوعيين العرب
12/12/14, 08:24 am من طرف communistvoice

» سؤال عادل ...
05/01/14, 04:50 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» ماذا يهمك من أكون
05/01/14, 04:38 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» حقيبة الموت
05/01/14, 04:30 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» ثوابت الشيوعية
05/01/14, 04:22 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» جيفارا..قصة نضال مستمر
05/01/14, 04:15 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» مواضيع منقولة عن التهريب
07/10/13, 05:10 pm من طرف فاروق السامعي

» الحزب الاشتراكي اليمني مشروع مختطف وهوية مستلبة وقرار مصادر
14/09/13, 05:42 pm من طرف فاروق السامعي

» صنعاء مقامات الدهشة أحمد ضيف الله العواضي
13/09/13, 04:30 pm من طرف فاروق السامعي

» حزب شيوعي لا أشتراكية ديمقراطية
19/03/13, 05:18 pm من طرف فاروق السامعي

» المخا..ميناء الأحلام ومدينة الكوابيس فاروق السامعي
15/03/13, 03:39 pm من طرف فاروق السامعي

»  قضية تثير الجدل: حجاب المرأة : 14 دليل على عدم فرضيته
20/10/12, 05:56 pm من طرف فاروق السامعي

»  "ضرب الحبيب..معيب"/ حملة ترفض العنف ضد المرأة
20/10/12, 05:40 pm من طرف فاروق السامعي

» "عذريتي تخصّني"، نداء تضامن مع نساء من العالم العربي ريّان ماجد - بيروت - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "
20/10/12, 04:22 pm من طرف فاروق السامعي

» حركة التحرر الوطني التحرر الوطني طبيعتها وأزمتها _ مهدي عامل
06/10/12, 07:07 pm من طرف osama maqtari

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
سحابة الكلمات الدلالية
يا العرطوط دفاعا تاج السامعي التونسية فاروق تسقط المشترك عن المرأة السياسية شهيد العقلانية لست النهار
منتدى

 

في العدد القادم من مجلة صيف

 

 

 واقع ومصير اليسار اليمني ومآلات الخطاب الحداثي الذي كان يمثله اليسار على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، وما الذي جعله ينكسر ويتراجع في أفق اللحظة اليمانية الراهنة بكل ملابساتها

 

والمشاركة مفتوحة لكل الكتاب حول هذا الملف الهام

خلال أقل من 3 اسابيع
بريد المجلة
sayfye@gmail.com


شاطر | 
 

 هاشم علي: الاعتراف بالفن

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رؤى



عدد المساهمات : 92
تاريخ التسجيل : 14/08/2010

مُساهمةموضوع: هاشم علي: الاعتراف بالفن   18/08/10, 08:04 pm



هاشم علي: الاعتراف بالفن



أيها الطيب الذي يشبه كل الكائنات

ولا يشبه أحداًً

آه منك أيها الصياد

أقفاص ألوانك مملوءة بالعصافير

يلمع في أفق عينيك

برق الفرح

ويرحل عن عش روحك طير الفرح

لماذا ؟


الشاعر/ عبدالله القاضي
(قصيدة قبوة كاذي لهاشم علي)

المصدر : http://web.comhem.se/kut/tamarin.htm

بالرغم من الانزعاج الواضح من فكرة الريادة باعتبارها تأكيداً لمركزية الواحد الرائد ، وتجريداً دكتاتورياً للفن والأدب ، يظل – وبالرغم من ذلك الاحتراز القادم من خارج سياق الفن – بالإمكان الحديث عن تأسيسات جمالية واستباقات تنضح بملامح مرحلة معينة وتمهد لها.

وفي حالة الفنان التشكيلي اليمني هاشم علي عبدالله (1945) فإن جهده الفني الخلاق والعفوي قد أفلح في جعل الفن ممكناً في هذه البلاد التي يزري ماضيها الحضاري والمعماري والفني بحاضرها تماماً بل يتفوق عليه.

فاليمني أرسى طابعاً خاصاً في العمارة يمنح العين جمالية المنظر الخارجي ، متحسباً لمصادر الضوء وانسجامات اللون عبرا لشبابيك والطاقات والمشربيات والشواقص (جمع شاقوص ، وهي نافذة بالغة في الصغر تفتح للداخل) والشكل العمودي المبكر مع الدافع البراغماتي للبناء من حيث صلاحيته للسكن وتعبيره عن المحافظة وحسابات البيئة والمناخ والعزل الجنسي .. الخ .. لكن هذا كله وما يؤازره من لقى وحفريات ومأثورات مجسمة تنم عن خيال فذ سكن الماضي الحضاري في معين ومأرب وسبأ وحضرموت وسواها من الحضارات المتعاقبة في اليمن ؛ لا يكاد يجد له وريثاً متفاعلاً فعدا عن المحافظة على الشكل المعماري الصنعاني واليمني العام ؛ فإنك لا تجد أي إحتفاء بالمنجز الفني ، بل تكاد الساحات والمدارس والشوارع والمدن كلها تخلو من النصب واللوحات والجداريات وتتابعها البيوت في ذلك ؛ لينعزل الفن من بعد كحاجة منبوذة بفعل وهاجس المقدس أو المحظور أو ربما المهمش لصالح المتن الحياتي القاسي والعنيف.

يؤكد ذلك التهميش لحضارة البصر والصورة ما نراه من انعدام الدراسة الفنية المنظمة في البلد وارث هذه الحضارات ، وهكذا فعلى الفنان أن ينشأ ذاتياً إلا إذا واتته فرص الدرس في الخارج.

هذه الفرص لم تتح – لأسباب نجهلها – لفنان مثل هاشم علي ، لكن ذلك لم يمنع أن تتحول فطرية نشأته وتعليمه الذاتي إلى طاقة هائلة تفلح في جعل الفن ممكناً وتنجح في انتزاع الاعتراف بالفن من مجتمع يجحده ويقصيه.

تلك هي أهمية هاشم علي كاسم مؤسس ، ولا نقول (رائد) كي لا نعود لفوبيا الريادة والتمركز الذاتي – وحتى إذا واجهتنا أسماء سابقة عليه- فإن وجودها لا ينتزع من المجتمع ما أسميته الاعتراف بالفن ، تماماً كما حصل لتأسيس الفنان العراقي الخالد جواد سليم الذي يعد مدخلاً حديثاً للرسم والنحت في العراق(1) بالرغم من الجهود الفردية السابقة عليه لبعض الهواة مثل عبدالقادر الرسام والحاج سليم الموصلي " والدجواد" وصالح زكي وغيرهم .. ممن لم يتركوا بصمات ذات أثر في جعل الفن ممكناً اجتماعياً وجغرافياً. وللأسباب نفسها تدرس هاشم علي كفاتح أبواب وعنصر إشعاع: فهو يؤسس لماهية فنية حديثة تقتحم على المجتمع عزلته وزهده بالفن وتستفز مخيلته .. وهو يشع على أجيال من غواة الفن وهواته. ويضع في أجسادهم هذه اللعنة الروحية الممسوسة والولع المجنون بتجسيد المخيلة صوراً وألواناً وأشكالاً ..

بمقياس الأثر في اللاحق ، يكون هاشم علي متقدماً على سواه ، بل يكاد يكون مفتتح مرحلة الاعتراف بالفن بعد جعله أمراً ممكناً ، وهذا التأثير سنلاحظ تمظهراته وتشكلاته في أعمال الأسماء اللاحقة في سماء التشكيل اليمني المعاصر ..

سينصرف هذا الهاوي معلم نفسه للفن كلياً ، وسوف يستحضر ثقافته الفنية بجهده الذاتي فيردم فجوة المعرفة والتعلم المنظم الذي لم يتح له.

في كتابها "اليمن التي شاهدت" تقول الكاتبة السويسرية لورنسديونا: كثير من الأوروبيين المثقفين ممن يحوزون على مكتبة ومتحف يعلمون عن فنهم أقل من هاشم .. اليمني المعزول في أقصى طرف الجزيرة العربية ، لقد شاهد كل شيء وقرأ كل شيء: عذارى رافائيل والرسوم الخداعة للباروكية والزخارف .. ووريقات كورو ، ونساء رينوار .. وملصقات براك ..وهكذا بالنسبة لكثيرين من غيره فإن سيزان هو سيد الرسم الحديث (2).

وبهذا تختزل الكاتبة نشاط هاشم ونهمه للمتابعة التي تعززها عدة أمور: أولها انتباهه المبكر لفن بلاده وجمال طبيعتها ، والبيئة والإنسان فيها بالإضافة إلى جماليات العيش كالسكن والأزقة والمهن .. ورصد الإنسان كعامل أساسي فيها كلها ، وربما كانت المرأة ذات وجود خاص في هذا الرصد كناية عن منظور متقدم اجتماعياً ينطوي عليه الفنان.

وثاني أنشطته المعروفة التي تشكل تجربته ومراجعها وخلفياتها قراءته للحضارات ومنجزاتها على أرضنا العربية كلها ، ولا غرابة أن نجده يستشهد في أحد حواراته بحضارة وادي الرافدين فيقول ممثلاً للفن الصادق:

"مثال ذلك حضارة بلاد النهرين ابتدءاً من السومرية والبابلية والأشورية وما تسمى بحضارة "ميزوبوتاميا" حيث يتجسد في شعارها ذلك الأسد المجنح برأس آدمي ، ومن خلال هذا الشعار نستخلص القوة الأرضية متمثلة بجسم الأسد ، والجناح يمثل القوة في الأعلى ، أما الرأس فهو العقل أو الحكمة التي تتحكم بهذه القوة وتوجهها ، كما يماثلها في مصر " أبو الهول" وأيضاً في سوريا "أوغاريتيه" متمثلة في أساطيرها" (3).

أن مثل هذه القراءة تدل على منبع ومعين أخر لثقافة هاشم علي في الجانب الحضاري والمعرفة البديلة التي تبحث عن دعائم لها في المنجز الإنساني السالف.

وثالث هذه الروافد المعرفة التي تصب في إمكان الفن والاعتراف به هو رافد الأسلوبيات المتنوعة في الفن الحديث ، فلقد عاش هاشم علي أعواماً من التجريب بالمعني العام للكلمة أي بمحاولة إنجاز قوة الفن في داخله وتحويلها إلى فعل تشكيلي وسطوح تصويرية تنتمي إلى مدارس واتجاهات ذات أسلوبيات متباينة.

ولكن الشيء الذي لا تخطئه العين في مجمل أعمال الفنان منذ الستينيات حتى الآن تؤكد موهبته التي تشكل دافعاً فطرياً لإنجاز رؤية خاصة تعززها مقدرة يدوية عالية ظلت تتخذ مظاهرها في أعماله المختلفة التي جرب فيها أساليب متنوعة ومواد ووسائط متنوعة أيضاً.

لقد كان هاشم ينطلق من واقعية شاعرية ، تلتقط مفردات الواقع ثم تحملها دلالات شاعرية تخفف من واقعيتها المفرطة ، وكان ذلك تجسيداً لإيمانه العلني بأن "الفن الصادق هو الذي يعبر تعبيراً مباشراً عن ثقافة المجتمع ، فيكون مقياساً صحيحاً لطموحاته وحجم حريته"(4).

وقد تجسد هذا الفهم للتعبير المباشر عن ثقافة المجتمع في أعمال الفنان فترة السبعينيات واهتمامه بالمهن والحرف والأعمال التي يؤديها الإنسان في البيئة ، وهي ذات جماليات خاصة تنبع من العذاب الإنساني ، كما نرى ذلك واضحاً في لوحته الشهيرة (دجاجة عمتي) التي يتناص عنوانها مع حكاية أو أهزوجة شعبية يمنية تتحدث عن التقسيم غير العادل للكسب ، حيث يأكل صاحب الدار الكبير لحم الظبي كله ، بينما نجد اللوحة المنفذة بمادة الزيت على القماش تسرد لنا بشاعرية أخاذة عودة صياد بائس مبالغ في ملامحه لدرجة كاركاتيرية وهو لا يحمل إلا رأس سمكة كبيرة وبعضاً من عمودها الفقري، ويحيلنا بذلك إلى صورة بطل (الشيخ والبحر) لهمنغواي بينما تغرينا المفردات السردية في اللوحة بتأمل الحزوز التي صنعتها العصا التي يحمل بواسطتها الصياد بقايا سمكته إلى جانب التركيز على ضخامة اليد وخشونتها وبؤس الملامح في الوجه ، مما يقرب هذه النزعة الكاريكاتيرية من أساليب فنية أخرى كالتعبيرية والسوريالية(5).

وقد كان بمقدور هاشم علي أن يظل داخل أسوار هذه الواقعية الشعرية وتنويعاتها الممكنة مثل الموتيفات البيئية المدينية ومناظر الريف والوجوه الشعبية والألعاب وغير ذلك.

إلا أنه سرعان ما يبحث ويجد في البحث عن مظاهر أخرى لواقعيته ، فيقدم لنا في مرحلة الثمانينات سلسلة أعمال جرافيكية منفذة بالحبر الصيني مستفيدة من أحادية اللون وهي تهتم بالمهن الشعبية المأثورة مثل الحالبة وبائعة الخبز (الملوج) وصانع المداعة وبائعة العمب وغيرها .. وفيها يتضح دور الإنسان في البيئة وتقدمه في واجهة اللوحات وتشكيله مركز الجذب في المشاهدة.

لكن التفجر اللوني العالي والمهارات الفائقة في خلق الموضوعات ومعالجتها الأسلوبية تبدأ في مرحلة لاحقة وتتركز في التسعينيات ، حيث ينفذ هاشم علي عدداً من الأعمال المستقرة من حيث الرؤية والأسلوب ، وهي محتفية باللون كعنصر أساسي في العمل إلى جانب التركيز على التعبيرية من منطلق رمزي مما يمكن تسميته بمرحلة الرمزية التعبيرية ، وهي تطور غير بعيد تماماً عن واقعيته الشاعرية الأولى ، فهو إذن يريد الموازنة – كأي فنان مؤسس – بين الذات والموضوع ، والأسلوب والمضمون ؛ والواقع والفن بشكل أساسي.

لهذا فأنا لا أعد طفراته الأسلوبية كالمعالجات التكعيبية للوجوه أو إطلاق فضاء المخيلة بشكل سوريالي ، بعض حنينه أو بحثه عن أسلوب ، وإنما هي مغامرات شكلية سرعان ما تعود إلى مستقراتها وثوابتها .. حيث تظهر براعته في تنفيذ الصور الشخصية (البورتريهات) وإتقان خلفيات اللوحة واختزال التفاصيل لصالح تعبيرية رمزية توحي أكثر مما تسرد بشكل مباشر وترمز أكثر مما تصرح ، وتأطير ذلك كله بعالم لوني متباين الدلالات لكنه يمثل مركز العمل أو بؤرته.

وستظل الرمزية التعبيرية وسيلة الفنان لإظهار الروح ، سواء أكان الشخص المرسوم درويشاً يدق على الدف ، أو موسيقياً يعزف على آلته ، أو حمالاً يضع على ظهره حملاً ثقيلاً .. وسواء أكان الشخوص رجالاً أو نساء فهم جميلون بالإشعاع الروحي المنبعث منهم حتى لو كانوا سود البشرة والوجه ، كما هو الحال في أعمال الثمانينات الجرافيكية حيث الراقصون في جو روحي خالص ، مأخوذون بنداء الأعماق وسابحون في فضاء حلمي ، وبذلك تتحقق جمالية وجودهم على السطح التصويري.

واعتقد أن هاشم علي بذلك يكون قد نقل مفهوم (الجميل) من حيزه التقليدي الإجتراري إلى حيز آخر جديد تماماً ، يساهم في تعديل تصور المشاهد للجميل أيضاً.

وهو يعالج سطوح عمله وبعض أعضاء أو أجزاء شخصياته وأرضية لوحاته باليد أي بضغط الأصابع على مادة الزيت بدل الفرشاة ، أو باستخدام السكين لإنجاز ملمس كثيف أو ناتئ .. وهذا أحد المؤثرات في الأجيال الفنية اللاحقة له(6).

إن الملامح الأسلوبية لهاشم علي تتفق مع انتظام رؤيته للفن كملاءمة بين الواقع وتمثيله فنياً بشكل صادق وإنساني محتج أو معترض ، وكذلك في الاهتمام بالتفاصيل لدرجة الدقة والأمانة ، ويقابلها إتقان وبراعة في تنفيذ الأعمال التشخيصية وتنويعاتها: الوجوه(اليمنية)و الطبيعة (الجبل والبحر والأودية) والمناظر البيئية (الأزقة والبيوت والمهن الشعبية) ذات الطابع اليمني الخالص ، مع اهتمام أقل بالطبيعة كموضوع..

ولكن علينا أن نتذكر دائماً حكمة هاشم علي في تنفيذ تلك الأعمال كلها ، فالإنسان يأتي في مقدمتها وبؤرتها ، حتى ليؤاخي أحياناً بينه وبين العذاب البدني للحيوان نفسه ، فيبدو أحد القرويين شديد الشبه بالدابة التي يركبها من حيث السقم والضعف البدني.

واعتقد أن براعة هاشم كفنان موهوب ذي مقدرة خطية واضحة ستتركز في قوته التقليدية التي تعوز الكثير من معاصرينا والذين يعوضون عنها بحداثات إلصاقية أو تلفيقية.

وسأختم بالإحالة إلى عمل محدد لهاشم علي هو (بائعة العمب) حيث يسيطر السرد على اللوحة عبر شخصيتي البائعة التي تحمل الثمرة المغرية بيدها اليسرى إلى الأعلى بينما تمتد يد الرجل المشتري باشتهاء وخدر ولوعة إلى الثمرة التي لا تصل إليها يداه. بالمقابل تضم الفتاة الجميلة الملامح سلة العمب إلى جسدها وكأنها تخبئها بين ساقيها وتحيطها بيدها اليمنى.

ونلاحظ التعبيرية واضحة في ملامح الرجل الذي أسند رأسه إلى كتفه مستلباً أو كالمسحور إزاء فتنة الفتاة مرمزة بالثمرة ، وكأنها فاكهة محرمة من ذلك النوع الذي هبط بآدم عاصياً معاقباً إلى الأرض مطروداً من الجنة.

فهل يريد السرد في اللوحة أن يحيل إلى هذه القصة التي كانت أصل الخليقة وأول الخطايا الفريدة للإنسان المعذب بالمعرفة ؟

نلاحظ في العمل اهتماماً مفرطاً بالتفاصيل من أعلى رأس الفتاة حتى ربطة أو شريط حذائها مع إتقان وإبراز دقة مفاتنها الجسدية الجميلة كدقة الخصر واعتدال الجسد إلى جانب متانة ساقيها وعجيزتها وبياض وجهها ونحافة ملامحها التي اختزلها الفنان بالخطوط الخارجية إضافة إلى استبطان داخلي لمشاعر الاشتهاء الذكوري عند الرجل ، وخفر البائعة المنطوي على إغراء وتملك ، مما انعكس في توزيع كتل اللوحة ومساحتها وحركة شخوصها.

ولعل المحير في الأمر تحرر الفنان من الأبعاد الأكاديمية أو ضبط المنظور والأحجام إذ نراه يبالغ في طول الأيدي كناية عن الرغبة والصراع للحصول على الثمرة التي تتحدى جوع الرجل المستسلم للغواية بعجز وضعف واضحين ، إزاء ثبات المرأة ، بينما يعطي للرجل ملامح هياج واشتهاء ، ولكن دون إبراز الجنس على شكل ثيمات أو أحداث سردية داخل العمل ، والاكتفاء بالرمزية التعبيرية من خلال تعابير الوجه والانفعال الصامت للشخص بإزاء حركة المرأة خارج كتلتها.

ولا نغفل أخيراً استثمار الفنان للونين الأسود والأبيض ، وما جرى بينهما من مطابقة دلالية عنيفة تعوض الفقر اللوني في مثل هذه الأعمال التي تتنازل عن الزينة والأصباغ متيحة المجال لتضاد السواد الغامق "الحبري" والبياض المسالم..

·
صنعاء20/12/1996م







وأحسب أخيراً أن هاشم علي في مراحله المختلفة يؤكد الرهان المعقود عليه في إنجاز مرحلة الوعي بالفن في مواجهة جحوده والتنكر له والانفصال عن ماضيه لايقاظ ما اسميناه تأسيس النزعة الحديثة التي جعلت الفن ممكناً ، وصولاً إلى مرحلة (الاعتراف بالفن) لبناء الإنسان على هذه الأرض التي التحم بها الفنان وأحبها رغم معاناته الفائقة على ظهرها المليء بالشقوق والجراح..





ملاحظات وهوامش
ملاحظات:

· الدراسة في الأصل ورقة بحث مقدمة إلى الحلقة الدراسية لتكريم الفنان هاشم علي في صنعاء (21/12-25/12/ 1997) ضمن الأسبوع الخاص بالفنان والمقام بمبادرة من مركز الدراسات والبحوث اليمني والحلقة الثقافية اليمنية الدولية.

** الكاتب مدين بالشكر إلى جمع من الأصدقاء والزملاء الذين لم يكن ممكناً الحديث عن هاشم علي دون مساعدتهم ، وهم الفنان التشكيلي حكيم العاقل الذي رأيت أولى أعمال هاشم في مرسمه ، والفنانة التشكيلية والكاتبة آمنة النصيري التي أفدت من كثير من ملاحظاتها الأساسية ، والشاعر علي المقري الذي زودني بنص اللقاء الذي أجراه أواخر الثمانينات مع هاشم علي. وكذلك لمركز الدراسات وجامعة صنعاء والأصدقاء في (الحلقة) الذين أتاحوا فرصة رؤية أعمال هاشم علي قبل العرض.

هوامش:

1) تتكرر أمثولة التأسيس لدى جواد سليم ، في تأسيس السياب ونازك والبياتي للشعر الحر منتصف الأربعينيات ، رغم المحاولات الفردية السابقة ذات الطابع البطولي التي لم تترك أثراً ومنها محاولات علي أحمد باكثير وفريد أبو حديد ولويس عوض وسواهم..

2) حوار مع الفنان التشكيلي هاشم علي عبدالله – أجراه علي عبدالجليل المقري – صحيفة 14 أكتوبر – 26/8/1988 صفحة (ثقافة).

3) حوار المقري نفسه.

ويلاحظ هاشم علي أيضاً انتباه الفنان لحجارة سد مأرب العظيم الذي زخرف فنياً برؤوس أيائل ظاهرياً والحقيقة كما يرى الفنان أنها ليست مجرد زخرفة فحسب ، وإنما هي تعويذة وضعت لتحرس السد من الأرواح الشريرة كما تقول إحدى التعاويذ .. وهذا يعكس دقة ملاحظة هاشم علي لدور الفن في الحضارة وقراءته لأبعاده الروحية..

4) حوار المقري نفسه.

5) يراجع التحليل المدهش لهذه اللوحة وسواها في مقال آمنة النصيري (قراءة نقدية موجزة في أعمال الفنان التشكيلي الرائد هاشم علي) جريدة الثوري ، صنعاء 12/12/1996 صفحة (ثقافة).

6) يستخدم كثير من الفنانين اليمنين المعاصرين تقنية الرسم بالسكين أو المواد الحادة كالمسامير أو غيرها .. وتنخلق بذلك سطوح بارزة في أعمالهم وفي مقدمتهم فؤاد الفتيح وحكيم العاقل ومظهر نزار في أعماله الأخيرة وغيرهم.

ومن المؤثرات المباشرة لهاشم تلاحظ لوحة الدرويش والدف أيضاً لدى حكيم العاقل وهي الصورة المختارة لملصق أحد معارضه المهمة في موسكو .. والعاقل يدين بتعلمه الفن وحبه له قبل الدراسة الفنية في الخارج إلى معلمه هاشم علي ومرسمه مباشرة. أما الوجوه السوداء والأجسام الدقيقة والملامح الأفريقية التي أكد عليها هاشم علي في مرحلة الرسم بالحبر الأسود على الورق فنجد صداها حتى الآن في أشخاص فؤاد الفتيح خاصة ، ووجودهم المختزل على السطح التصويري وحركاتهم الأفريقية وملامحهم كذلك ..

ويمكن متابعة أثره في طلابه ومنهم عبدالغني علي ولوحته عن المدخن العجوز والتي عرضت أول مرة قبل الافتتاح مع أعمال هاشم فلا نكاد نلاحظ فرقاً كبيراً في المعالجة والمنظور على الأقل.




استدراك لاحق

في محترف الفنان هاشم علي
بديهة الرسام وجنين اللوحة



الذي لا يؤول تضاعيف التعب

لهذا لا يرسم تعباً دبقاً في تجولا ته الصباحية

وحدها الأفكار

تحيي أعشابها على القماش

مقطع من قصيدة هاشم علي

للشاعر: محمد الشيباني



-1-

الدخول إلى محترف الرسام أشبه بإزاحة الستار عن سر ما. ذلك الشعور تكرر معي في زيارات متعددة لمحترفات رسامين أصدقاء ، يعدون تلك الفرصة تبسطاً وألفة ومحبة لا تتاح للجميع.

كنت أفكر كثيراً في المسألة: رؤية اللوحة منجزة على جدار ، أو رؤيتها جنيناً في رحم غرفة مليئة بالأدوات والألوان والقماش وعاديات أخرى ؟

الفضول في مسألة كهذه يتعدى الجانب السايكولوجي ، أنه استشعار لمصير ، استباق لولادة ، وتنقيب في حياة ما قبل الخلق ، وحفر في لحظات التكوين.

-2-

في المرات التي أكون فيها زائراً لمدينة (تعز) (التي يتحصن داخلها هاشم علي في شبه عزلة مصممة أو مقصودة) يصحبني الأصدقاء لزيارة الفنان .. مرات لا أعرف الآن عددها ، لكنها تمت بصحبة الرسام حكيم العاقل ، وغالباً الشاعر محمد الشيباني ، وفي إحداها مع عدة أصدقاء أذكر منهم: علي المقري وعلوان الجيلاني ومحمد أحمد عثمان وإياد الحاج ومحمد عبدالوكيل جازم ومطهر الشرجبي وماجد فيصل وفتحي أبو النصر.

البشاشة التي يلقانا بها وجه هاشم علي لا يخفي ارتباكات اكتظاظ المكان بأجسادنا ، واقتحامنا تلك العزلة التي أدمنها الفنان .. لكنه في إحدى زياراتنا اقترح رؤية (مرسمه) الذي أود تسميته (المحترف) كناية عن الجانب الحرفي أو المهني فيه .. لأتجاوز الترف المتخيل في تسمية (المرسم) وما يحف بها من دلالات ، فاجأني ضيق المكان .. وكنت قبل ذلك منفصلاً عن أجواء المعروضات والأشياء ، منشغلاً بالضجيج الذي لا يصدق ، صاعداً من الشارع المزدحم إلى شقة الفنان: أصوات مختلطة رهيبة: دراجات نارية ، محركات السيارات ، أصوات الباعة ، المارة ، والأطفال ، زمارات مختلفة الأصوات .. فبادرت هاشم علي بالسؤال عن كيفية عمله في جو كهذا ، فكان جوابه مفاجئاً أيضاً، فلقد أعتاد على ذلك حتى صار أشبه بخلفية ضرورية لأعماله ، لا يمكنه العمل دون حضورها.. لقد صارت جزءاً من عين الفنان ويده ، بل من رؤيته ذاتها.

في المحترف الضيق أنابيب الزيت المعتصرة ، وعدد كبير من فرش الرسم ، والباليتات وقطع القماش ، أدوات حادة ، وخشب ، وحامل وحيد (ستاند) وضع عليه آخر لوحاته الزيتية التي لم تكتمل بعد ، كنت أراقب انفعالاته وتعبيرات وجهه ، وهو يذود خطواتنا عن أشياء المحترف الذي أخمن مقدار معايشته له ، إلى حد حفظ تفاصيله الصغيرة ..

كنا نمارس متعة اكتشاف أسرار الخلق والتكوين ، ونتطلع إلى أجنة لم تتخلق بعد ، والرسام ببديهته اليقظة يقاوم فضولنا ويختصر اللحظات حتى وقت تصوير أحد الأصدقاء لنا ونحن داخل المحترف.

-3-

تلك هي إذن (الورشة) التي ينفذ فيها هاشم علي رؤاه على قماش وورق ، بالزيت أو بالأبيض والأسود ، على خشب أحياناً وبأحجام مختلفة .. فأين يتم تمثله لأصوات الخارج والصيحات التي ظلت تتصاعد حتى حسبت أنها ستكون جزءاً من أشياء الصورة التي التقطناها ..؟

لم تكن تلك نكتة تقال في العادة لكسر انتظار الواقفين من أجل ضبط الآلات التصوير وكوادر الرؤية الخ .. بل كانت ملاحظة مقصودة مني. فهاشم علي يعيد تمثيل الواقع بشكل رمزي أو اختزالي ، حتى وهو يتجرأ بإدخال أسلوبيات حديثة مستعارة من التكعيبية والتجريدية ،إنه – كما تلاحظ الزميلة آمنة النصيري – يعتمد في تكوين لوحاته على لغة تشكيلية يمدها بما في المحيط الخارجي من جزئيات ، ولا يكتفي بانتزاعها مصورة كما هي في المحيط إلى داخل اللوحة.

مرجعية الواقع إذن هي التي ستظل تعمل في إنجاز هاشم علي ، حتى وهو يوهم المشاهد بأنه يهجر أو يقصي المحيط أو الواقع ..



-4-

ما هي إذن مكانة " الواقع " كمثير أو محفز في أعمال هاشم علي ؟ وأين سنجد كسرات أو جزئيات هذا (الواقع) ؟ وكيف تمثلها ثم أعاد تمثيلها الفنان نفسه وهي تتصاعد إليه دون انقطاع ؟

(الموضوع) هو الذي سيتصدر الإجابة في هذه اللحظة من استعادتي لدخول المحترف ، فرسوم هاشم علي (وأعماله الأخرى كالحفر والجداريات) تستند إلى (سرد) فني يرثه الفنان من مرحلته الواقعية المبكرة وبداياته الأولى.

وعناصر السرد يهبها له الواقع أو المحيط الخارجي والبيئة بتعبير فني – لكي نبوّب أعماله ضمن نزعة أو اتجاه ، يعمل على تكريس الفن البيئي بالمعنى الثقافي الأعم – وهي – أي العناصر- تبدأ من ومضة احتكاك الفنان بالموضوع ، وتكاثف جزئياته في النفس .. لكنه عند إعادة تمثيل العمل يحور ويحذف ، ويضيف ويموه ، ويخفي ، ويقدم ويؤخر ، كما يفعل صناع الحبكات المحترفون والحكاة المهرة ..

ودليلي على هذا الاستنتاج – أي الافتتان بسرد المحيط كواقعة حياتية أو مهنة أو مشهد – هو عناية ، وأقصد براعة ، هاشم علي في رسم (البورتريت) الذي يكاد الوجه فيه بعلاماته وسيمائه ، أن يحكي (قصة) صاحبه في لجة من الألوان والتكسرات أو التجعدات، وفي الحركات التي تنبه إلى ما في الوجه من غنى حكائي مخبوء ، إضافة إلى المحمول الاجتماعي أي تعيين العناء الطبقي لصاحب الوجه ..

-5-

كثيراً ما قال دارسو هاشم علي إنه تثقف أو تعلم ذاتياً ، وذلك القول بقدر ما يخفي إقصاء ما في الدراسة الفنية المنظمة من مزايا ، فإنه يقلل من الهم أو المعانة الذاتية للفنان ، عندما يصبح صوتاً لمحيطه أو نائباً عن أشيائه ..

لكن لقاءات هاشم علي وملاحظاته الفكرية المعمقة تدحض ذلك دائماً .. فالخطوط النحيفة التي تنتهي بها شخوصه ، وشاعرية الأمكنة واستجلاء روحها (كلوحته عن جامع الأشرفية مثلاً) تعبر عن زهد الفنان وروحانيته التي لا يكفي لتجسيدها ، اعتماد الواقع مرجعاً وحيداً ، أو الموهبة مشغّلاً أو مولّداً يحرك أعماله ..

إن ما أسميته (البديهة) التي يتمتع بها هاشم علي هي اعتصار لعوامل ثقافية متعددة ، يتصل كثير منها بتحولات الرسم الحديث وتقلبات تياراته وموجاته الحديثة وما بعدها ..

ولعل ذلك يفسر لنا احتفاظ هاشم علي بتلك المكانة وسط تشعبات الحركة التشكيلية في اليمن ، وتعدد اتجاهات الرسامين ، وتنوع المؤثرات التي يخضعون لها ، حتى في حالة العديد ممن هم (طلاب) خرجوا من المحترف ذاته الذي دخلناه مدججين بالفضول ورغبة الاكتشاف.

-6-

كثيراً ما يذكرني هاشم علي بالقاص العراقي " محمد خضير" ليس في اختيار العزلة فحسب (كنا نعاني من أجل استقدام محمد خضير من معتزله في البصرة ليحاضر في بغداد أو يحضر ملتقى ما ، وسرعان ما يغادرنا فجأة) إن ثمة تشابهاً في ظروف العمل، في تصميم (الورشة) أو (المحترف) فإحدى مجموعات محمد خضير أسماها (في درجة 45 مئوي) كناية عن كتابة قصصها في صيف البصرة ، الرطب والحار لدرجة لا يمكن تخيلها ، وهناك وفي تلك الدرجة الحرارية مضافاً إليها حرارة الغرفة الضيقة تتعرض قصصه وشخوصها وهو نفسه للخلق والتكوين ، فتتوهج لغته كما تلتمع قطع السيراميك داخل الفرن ..

-7-

اعتقد جازماً أن ضيق المحترف واكتضاضه وامتلاءه الحاشد ، هي إشارات عن غنى داخلي يتمتع به الرسام ، وهو ما يجعل الرهان على مكانته التشكيلية أكيداً ، وحين انغلق باب المحترف دافعاً أجسادناً إلى الخارج ، ظلت أصوات الشارع وأشياؤه الضاجة متمددة على خامات لوحاته ، وداخل عصارات ألوانه ، وقبل ذلك كله بين أصابعه التي شعرنا أنها بدأت تضج ويدب فيها نمل العمل وشوق البوح ، فغادرنا صامتين لتعمل الذاكرة من بعد.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
هاشم علي: الاعتراف بالفن
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اليسار التقدمي اليمني :: هاشم علي-
انتقل الى: