اليسار التقدمي اليمني
كي نرى النور
ساعدني في دفع الظلام قليلاً
أو إمنع عني مخاوفك.
...
حينما أكون واضحاً
أفضل السير مع الأمل بعكازين
على إنتظار طائرة الحظ
والظروف المواتية.

اليسار التقدمي اليمني

منتدى ثوري فكري ثقافي تقدمي
 
الرئيسيةالرئيسية  رؤى يسارية..منترؤى يسارية..منت  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  دون رؤيتك  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مكتبة الشيوعيين العرب
12/12/14, 08:24 am من طرف communistvoice

» سؤال عادل ...
05/01/14, 04:50 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» ماذا يهمك من أكون
05/01/14, 04:38 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» حقيبة الموت
05/01/14, 04:30 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» ثوابت الشيوعية
05/01/14, 04:22 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» جيفارا..قصة نضال مستمر
05/01/14, 04:15 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» مواضيع منقولة عن التهريب
07/10/13, 05:10 pm من طرف فاروق السامعي

» الحزب الاشتراكي اليمني مشروع مختطف وهوية مستلبة وقرار مصادر
14/09/13, 05:42 pm من طرف فاروق السامعي

» صنعاء مقامات الدهشة أحمد ضيف الله العواضي
13/09/13, 04:30 pm من طرف فاروق السامعي

» حزب شيوعي لا أشتراكية ديمقراطية
19/03/13, 05:18 pm من طرف فاروق السامعي

» المخا..ميناء الأحلام ومدينة الكوابيس فاروق السامعي
15/03/13, 03:39 pm من طرف فاروق السامعي

»  قضية تثير الجدل: حجاب المرأة : 14 دليل على عدم فرضيته
20/10/12, 05:56 pm من طرف فاروق السامعي

»  "ضرب الحبيب..معيب"/ حملة ترفض العنف ضد المرأة
20/10/12, 05:40 pm من طرف فاروق السامعي

» "عذريتي تخصّني"، نداء تضامن مع نساء من العالم العربي ريّان ماجد - بيروت - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "
20/10/12, 04:22 pm من طرف فاروق السامعي

» حركة التحرر الوطني التحرر الوطني طبيعتها وأزمتها _ مهدي عامل
06/10/12, 07:07 pm من طرف osama maqtari

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
سحابة الكلمات الدلالية
منتدى

 

في العدد القادم من مجلة صيف

 

 

 واقع ومصير اليسار اليمني ومآلات الخطاب الحداثي الذي كان يمثله اليسار على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، وما الذي جعله ينكسر ويتراجع في أفق اللحظة اليمانية الراهنة بكل ملابساتها

 

والمشاركة مفتوحة لكل الكتاب حول هذا الملف الهام

خلال أقل من 3 اسابيع
بريد المجلة
sayfye@gmail.com


شاطر | 
 

 مطارحات حول قضيّة المرأة

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
فاروق السامعي

avatar

ذكر عدد المساهمات : 173
تاريخ التسجيل : 14/08/2010

مُساهمةموضوع: مطارحات حول قضيّة المرأة   26/12/10, 04:15 pm

مطارحات حول قضيّة المرأة


حزب العمال الشيوعي التونسي </A>
2008 / 4 / 8
[b]
إهداء
إلى معتصمات الخيام بمدن الحوض المنجمي بقفصة،
إلى كريمة بوستـّة في سجنها،
إلى كلّ الصّامدات في عصر الظــُّلمة يعبّدن طريق المساواة والحرّيّة.

تقديم

يتضمّن هذا الكراس ثلاثة نصوص تتناول أوجُهًا عدّة من قضية المرأة في بلادنا. وقد كُتِبَتْ هذه النصوص في علاقة بالنقاش الذي دار في "هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" حول حقوق النساء في تونس وبـ"الإعلان" الذي أثمره هذا النقاش وردود الفعل التي أثارها في صفوف الحركة الفكرية والسياسية.

ونحن إذ ننشر هذا الكراس فمن أجل تعميق النقاش حول قضية المرأة في بلادنا وإخراجها من بوتقة المزايدات السياسية وتنزيلها المنزلة الصحيحة باعتبارها أحد أهمّ أركان أيّ تغيير ديمقراطي جذري وعميق في بلادنا.

قضيّة المرأة من الحدّاد إلى اليوم
عودة إلى النقاش حول حقوق المرأة
مسألة الحجاب/الخمار والعلمانية
ملحق: إعلان هيئة 18 أكتوبر للحقوق و الحريات حول حقوق المرأة و المساواة بين الجنسين


قضيّة المرأة من الحدّاد إلى اليوم


مداخلة حمّة الهمامي في الندوة المتعلقة بالمساواة بين الجنسين
"هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" - ديسمبر2006
هذا نص مداخلة الرفيق حمّه الهمّامي في ندوة "المساواة بين الجنسين" التي نظمتها هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات في مطلع شهر ديسمبر 2006. وقد راجعها المعني وأضاف إليها فقرات في ضوء النقاشات التي جرت.



يعتبر حزب العمال أن مسألة حقوق المرأة تمثل جزءا لا يتجزّأ من المسألة الديمقراطية العامة المطروحة في بلادنا، بل إنه يعتبر أنّ أي مشروع ديمقراطي لا تكون هذه الحقوق، بل لا يكون تحرير النساء من الميز والاضطهاد في قلبه وصميمه لن يكون إلاّ مشروعا مشوّها وغير متماسك، فلا يمكن تصور نظام ديمقراطي لا تكون فيه المساواة التامة بين المواطنين بشكل عام وبين الجنسين بشكل خاص أساسا من الأسس التي ينبني عليها. وتكتسي مسألة المساواة بين الجنسين أبعادا عدّة. فهي تطرح داخل العائلة من جهة وفي المجتمع والحياة العامة من جهة ثانية، كما تطرح في مستوى القانون من ناحية وفي مستوى الممارسة الواقعية من ناحية ثانية. ولقد مثلت هذه المسألة بأبعادها المختلفة محورا من محاور الصراعات الفكرية والسياسية والاجتماعية والثقافية التي شقت بلادنا منذ أواخر القرن التاسع عشر وخصوصا منذ مطلع العشرينات من القرن العشرين. ولم يكن حضور هذه المسألة في تلك الصراعات معزولا عن التطورات التي شهدها المجتمع التونسي في الحقبة الاستعمارية ولا عن تلك التي شهدتها، في العصر الحديث، بقية الأقطار العربية وبلدان العالم التي حققت النساء في البعض منها خطوات حاسمة نحو تحررهن وانعتاقهن.

I. صراع بين مشروعين مجتمعيّين
وقد حكم هذا الصراع، كما هو الحال في معظم الأقطار العربية، وبلدان العالم نظرتان جوهريتان متناقضتان: نظرة تسعى إلى الحفاظ على الوضع الدوني للنساء داخل العائلة والمجتمع مستخدمة مسوغات إيديولوجية عدّة من قبيل "إن الله شاء" أو "الطبيعة اقتضت" أو"النواميس الاجتماعية والأخلاقية أملت"، ونظرة تقدمية تنسّب المسألة وتتناولها من زاوية التاريخ والعلاقات الاجتماعية معتبرة أن الوضع الدوني للنساء "ظاهرة مكتسبة" ولّدتها السياقات التاريخية والعلاقات الاجتماعية التي عشن فيها وبالتالي فإن ذلك الوضع ليس ثابتا بل قابلا للتغّير بتغّير تلك السياقات والعلاقات وتطورها.

وإذا كانت مسألة حقوق المرأة أثيرت في بلاد المشرق، وتحديدا في مصر منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر مع رفاعة الطهطاوي (تخليص الإبريز في تلخيص باريز – 1834، المرشد الأمين للبنات والبنين - 1872) ثم في مطلع القرن العشرين مع قاسم أمين (تحرير المرأة - 1899 والمرأة الجديدة – 1900) فإن الثلاثينات من القرن العشرين مثلت منعرجا حاسما في إثارة تلك المسألة في تونس.ويرجع الفضل في ذلك إلى الطاهر الحداد الذي يعتبر في عصره "رائد تحرير المرأة التونسية".

إن هذا الزيتوني التكوين، ولكن الملتصق التصاقا شديدا بالحياة الاجتماعية التونسية من خلال فصيلها المتقدم أي الحركة النقابية العمالية التي خصّها بأحد أثريه التاريخيين (العمال التونسيين وظهور الحركة النقابية التونسية - 1927)، عبّر في أثره الثاني الذي خصّ به النساء التونسيات (امرأتنا في الشريعة والمجتمع - 1930) عن أهم الإصلاحات التي كانت تروم النخبة التونسية المستنيرة إدخالها على أوضاع المرأة خاصّة والمجتمع التونسي عامة.

مسألة اجتماعية

عالج الحداد مثله مثل رموز الإصلاح الاجتماعي في العالم العربي، المسألة النسائية كمسألة اجتماعية ورأى في تخلف أوضاع النساء التونسيات علامة جوهرية من علامات تخلّف المجتمع التونسي الذي كان يرزح وقتها تحت وطأة الاستعمار المتحالف مع القوى الرجعية المحليّة، كما رأى في نهوض تلك الأوضاع، علامة من علامات نهوض المجتمع بأسره. ومن هذا الموقع صاغ الإصلاحات التي نادى بها ومنها إلغاء تعدد الزوجات وحق الفتاة في اختيار شريك حياتها وفي طلب الطلاق وفي التساوي مع الرجل في الإرث وفي التعليم والشغل وتقلّد الوظائف العمومية. وقد حاول الحداد أن يجد لإصلاحاته مسوّغا في الدين الإسلامي باعتبار ما كان للأفكار الدينية والعادات والتقاليد من دور بارز في تبرير اضطهاد النساء ومعارضة تحررهن. ولم يكن يهمه التقيّد بالأحكام الشرعية والفقهية بقدر ما كان يهمّه الدفاع عن ضرورة تحرير"المرأة المسلمة" حتى تسترد عضويتها كاملة داخل الأسرة والمجتمع.

إن النواة الأساسية في فكر الحداد التي بني عليها الإصلاحات التي نادى بها والتي مكنته من تجاوز الجمود الفكري لسابقيه، تتمثل، كما جاء في مقدمة كتابه: "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، في ضرورة إخضاع الأحكام الشرعية لتطور الحياة أي لتطور الواقع، وليس العكس لأن الأحكام نتيجة للظروف التاريخية وبما أن التاريخ يتحرك والواقع يتطور ويتغّير فإن التشريعات ينبغي أن تواكب حركتهما وتطورهما وتغيّرهما وليس العكس. فالواقع المتغيّر، المتحرّك، المتطور لا يمكن، حسب رأيه، أن يكون حبيس تشريعات ثابتة وجامدة تعيقه وتكبله.

على هذا الأساس نسّب الحداد العديد من الأحكام الإسلامية/الفقهية وراجعها. وقد ميّز بين ما اعتبره "جوهر"/"مرمى"/"معنى"/"روح" الإسلام وهي في نظره "الحرية والمساواة والعدالة"، وبين ما هو "عَرْضٌ"/"حكمٌ"/"خاصٌ". فالمظهر الأول "باق"، "خالد"، والمظهر الثاني "متغيّر"/"متطور"، وهو في تغيّره وتطوّره يسعى باستمرار إلى بلوغ "الجوهر" أو "المرمى". ويربط الحداد بموقفه هذا مع المدرسة "المقاصدية"، الاجتهادية في الإسلام. وقد تميّز في مواقفه عن قاسم أمين ومحمد عبدو وغيرهما من المصلحين إذ بلغ في عصره ذروة "المدرسة الإصلاحية الإسلامية".وقد وجد إلى جانبه، في صراعه مع القوى الرجعية المحافظة التي سارعت، كما جرت العادة، إلى تكفيره، عديد المثقفين المستنيرين أمثال الصحفي الهادي العبيدي والشاعر أبي القاسم الشابي وغيرهما.

وشهدت الحركة النسائية في تلك الفترة، سواء بتأثير مباشر أو غير مباشر لأفكار الحداد، تطورا هاما، فظهرت جمعيات نسائية متعددة المشارب الفكرية أسهمت في النضال الوطني ضد المستعمر الفرنسي وأعدت الأرضية الملائمة للاعتراف لاحقا، لنصف المجتمع، بإنسانيته وكرامته.

مجلة الأحوال الشخصيّة

وبما أن أفكار الحداد كانت في اتجاه التاريخ، فإنها لم تمت بموت صاحبها، بل كان لها صدى في مجلّة الأحوال الشخصية الصادرة بتاريخ 13 أوت 1956 أي أشهرا قليلة بعد "إعلان الاستقلال" في 20 مارس 1956.

إن الإصلاحات الواردة في هذه المجلّة مثل منع تعدد الزوجات وإقرار حق المرأة في اختيار شريك حياتها وفي طلب الطلاق، لم تواجه معارضة سياسية أو اجتماعية ذات بال بل سرعان ما استوعبها المجتمع ودخلت ضمن تقاليده الجديدة وهو ما يعني أنها لم تكن مسقطة عليه وعلى وعي معظم أفراده بل مندرجة في سياق تطوره العام.

من البديهي أن توجد أقليات تعارض مثل تلك الإصلاحات ففي كل المجتمعات توجد قوى شد إلى الوراء وهي تستعمل كل المسوغات الإيديولوجية والثقافية والاجتماعية لمنع المجتمع من التقدم. فقد حاول بعض رجال الدين التقليديين في تونس وصفاقس التصدي لتلك الإصلاحات ولكن دون جدوى إذ سرعان ما تم الالتفاف على دعواتهم.

ولكن الإصلاحات التي جاءت بها مجلّة الأحوال الشخصية فقدت تدريجيا "ريادتها" التي كسبتها بالمقارنة مع ما هو موجود ومكرّس في البلدان العربية والإسلامية الأخرى (عدا تركيا الكمالية). فبمرور الزمن بانت حدودها، بل عجزها عن تحقيق طموح النساء التونسيات وخاصّة الواعيات منهن إلى مساواة تامة وفعلية بينهن وبين الرجال. وقد اقترن ذلك بتواتر أزمات النظام البورقيبي الذي افتضـح طابعه الاستبدادي والاستغلالي والتابع وبالتالي عدم قدرته على تحقيق المواطنة والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وتحرير البلاد من كل هيمنة أجنبية. وهو ما أدى إلى قيام حركات اجتماعية احتجاجية عدّة وظهور معارضات سياسية، يسارية بالخصوص، كان للنساء المثقفات دور بارز فيها.

حركة نسائية تقدّميّة

في هذا الإطار ظهرت في النصف الثاني من السبعينات حركة ديمقراطية تقدمية في صلب النساء المثقفات اليساريات عبرت عن عدم رضاها عمّا هو موجود. وشكل نادي الطاهر الحداد للمرأة نواتها الأساسية وقد وضعت هذه الحركة التي كانت على اطلاع على مجريات الحركات النسويّة في العالم،التي عرفت في هذه الفترة مدا هاما، وضعت الإصبع، وهنا تكمن مزيّتها التاريخية، على ثغرتين أساسيتين في أوضاع النساء التونسيات، الأولى تشريعية وتتمثل في غياب المساواة بين الجنسين في التشريع التونسي رغم المكاسب المحققة (الطابع الأبوي لمجلّة الأحوال الشخصيّة الخ..) والثانية واقعيّة وتتمثل في الهوّة التي لا تزال قائمة بين الخطاب والواقع، بين النص والممارسة. وعلى هذا الأساس حددت تلك الحركة أرضيتها المطلبية في محورين اثنين: الأول: إلغاء كافة مظاهر التمييز بين الجنسين في التشريع التونسي والثاني: ردم الهوّة بين الخطاب/القانون والواقع لتحقيق مساواة فعلية بين الجنسين، وربطت هذه الحركة تحقيق هذا الهدف بتغييرات جذرية اجتماعية وسياسية وثقافية في المجتمع واعتبرت نفسها جزءًا لا يتجزّأ من الحركة الديمقراطية والتقدمية.

أعطى ظهور هذه الحركة دفعا للنضال النسوي في البلاد، فانتشرت النوادي النسائية في مختلف الجهات. كما أُحدِثت لجان نسائية في العديد من القطاعات (الاتحاد العام التونسي للشغل ـ المحامون ـ الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ـ الحركة الطلابية...) لتحمل راية الدفاع عن حقوق المرأة الاجتماعية والسياسية والثقافية وتناضل ضد الميز القائم في النص والممارسة.

ارتداد

ولكن حصل ارتداد في الثمانينات. وينبغي الإقرار أن هذا الارتداد ارتبط بتنامي تأثير الحركة الإسلامية في تونس. فقد تحول النقاش من مطالبة بتطوير مكتسبات المرأة في اتجاه مساواة تامة وفعلية إلى نقاش حول مشروعية المكتسبات المحققة: هل هي مطابقة للشريعة الإسلامية أم منافية لها؟ وتعالت أصوات من داخل الحركة الإسلامية منددة بإلغاء تعدد الزوجات ومنح المرأة حق الطلاق وخروجها إلى المدرسة والشغل والاختلاط مع الذكور والسفور ومحملة النساء مسؤولية تدهور الأخلاق في المجتمع وبطالة الرجال. وطالب البعض من رموز الحركة بتنظيم استفتاء حول مجلّة الأحوال الشخصية.

عمّقت هذه المواقف الهوّة بين أطراف الحركة الديمقراطية اليسارية والنسوية منها خاصة من جهة والحركة الإسلامية من جهة ثانية. وأصبح الموقف من حقوق المرأة وتحررها يختزل في بعض الأحيان الخلافات القائمة بين الطرفين. فإذا كانت الحركة الإسلامية تعتبر أن حرية المرأة هي البوابة التي دخلت منها "العَلْمَانية الغربية" لضرب "القيم الإسلامية" وهو ما يفترض في نظرها التصدي لتلك الحرية التي تختزلها في بعض مظاهر الانحلال في المجتمعات الرأسمالية البرجوازية (اللباس الخليع، الخ.) وتسكت عن جوهرها الحقيقي المتمثل في المساواة في الحقوق المكرسة للمساواة في الإنسانية، فان القوى الديمقراطية اعتبرت أن موقف الحركة الإسلامية من حرية المرأة وحقوقها هو المقياس الذي يتحدد به مدى تقدم هذه الحركة في تبني مبادئ الحرية والمساواة والديمقراطية بشكل عام.

هذا الوضع خلق متنفسا لنظام الحكم خصوصا بعد 7 نوفمبر 1987. فبعد أن كان هذا الأخير متهما بعرقلة مسيرة النساء نحو تحقيق مساواة تامة وفعلية ومطالب بالاستجابة إلى جملة من المطالب ذات البعد القانوني والعملي، أصبح يتقدم على أنه "حامي حمى حقوق المرأة" ويوظف هذه المسألة في الداخل والخارج للظهور بمظهر "النظام العصري التحديثي" وتغطية طبيعته الاستبدادية وانتهاكه المنهجي للحريات وحقوق الإنسان وضربه للمبادئ والقيم الديمقراطية وتهديده مكتسبات المرأة ذاتها.

وكان لهذا الصراع انعكاساته على مسيرة الحركة النسائية التي أصبح اهتمام جزء منها منصبا على " الحفاظ على المكاسب"، مرجئا بذلك النضال من أجل تطويرها ولسان حاله يقول "شِدْ مشُومِكْ لا يجيكْ ما أَشْوَمْ منُو". وقد بدا وكأنه يوجد نوع من "التوافق" بين السلطة وبين الحركة النسائية أو على الأقل أطراف منها، إلى أن ارتفعت في عام 1994 أصوات نسائية تنادي بـ"عدم توظيف قضية المرأة لتبرير القمع السياسي" (عريضة الـ118) فنزعت بذلك من يد السلطة ورقة كانت تستخدمها لتبرير قمع الإسلاميين والمعارضة عامة وكسب مساندة الحكومات الغربية المتخوّفة من مد الإسلامي السياسي.

توجّه جديد؟

ونتيجة للحراك السياسي والفكري والاجتماعي في داخل البلاد والتطورات الدولية، حصل تغيير في خطاب بعض الفصائل الإسلامية التي أصبحت تدفع عن نفسها "تهمة" السعي إلى مراجعة مكتسبات النساء التونسيات وتعبّر عن تمسكها بها وترى فيها "جزءا من مكاسب الحداثة التونسية" التي لا تتناقض مع مقومات "الهوية العربية الإسلامية".

وعلى صعيد آخر انطلقت أعمال مشتركة، في إطار"هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات" بين معظم تيارات المعارضة بما فيها التيار الإسلامي (حركة النهضة) على أساس أرضية دنيا تهم الحريات الأساسية لمواجهة استبداد نظام الحكم. وقد تم الاتفاق داخل هذه الهيئة على إطلاق حوار عام ومفتوح حول جملة من القضايا الخلافية قصد التوصل إلى وضع عهد ديمقراطي يلتزم الجميع باحترامه. ومن بين هذه القضايا، المسألة التي نتناولها اليوم وهي مسألة حقوق النساء والمساواة بين الجنسين التي تمثل كما قلنا ركنا من أركان النظام الديمقراطي وشرطا من شروطه.

II. أوضاع النساء في تونس: ما هي أوضاع النساء اليوم في تونس؟
خلافا لما تروجه الدعاية الرسمية، فإن أوضاع النساء التونسيات وخاصة منهن المنتميات إلى الطبقات والفئات الشعبية وهن الأغلبية، سيئة على كافة المستويات بحكم الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية الرأسمالية المتوحشة لنظام الحكم وبحكم الاستبداد السياسي وانتشار القيم الفردانية وثقافة الاستهلاك التي شيّأت المرأة وحولتها إلى بضاعة جنسية، وهي كلها أسباب تهدد ما تحقق للمرأة من مكاسب نتيجة النضالات التي خاضها مثقفون تقدميون من أمثال الطاهر الحداد وحركات ديمقراطية نسائية وغيرها على مدى أكثر من نصف قرن.

مساواة قانونية منقوصة

إن النساء التونسيات مازلن ضحية للميز على المستويين التشريعي والواقعي. فعلى المستوى الأول لم ترتق المساواة بين الجنسين إلى مستوى المبدأ الدستوري. كما أن مجلة الأحوال الشخصية، ما تزال، بعد نصف قرن من صدورها، مطبوعة بطابع أبوي، ذكوري، تمييزي في عدد من المجالات الهامة مثل إدارة شؤون العائلة إذ ما تزال رئاسة العائلة تسند إلى الزوج دون سواه (الفصل 23) والإرث، إذ ما تزال القاعدة المعمول بها "للأنثى نصف ما للذكر"، والحضانة والولاية إذ أن ولاية المرأة على الأطفال ما تزال مشروطة، كما أن اللقب العائلي ما يزال مقصورا على لقب الزوج دون لقب الزوجة واختيار مقر السكنى من مشمولات الزوج والمهر الذي عرَّفه الفقهاء بأنه المقابل الذي يدفعه الرجل للاستمتاع بجسد زوجته، ركنا من أركان الزواج وإن شئنا شرطا من شروط صحته رغم الطابع الشكلي للمهر في القانون الحالي. ولا يمكن للزوجة حسب مجلة الجنسية، إسناد جنسيتها لأبنائها بصورة آلية مثلها مثل زوجها، وذلك لاعتبارات دينية.

وفي مجال الشغل ما تزال الدولة التونسية تمانع في التصديق على اتفاقية منظمة العمل الدولية عدد 183/2000 المتعلقة بحماية الأمومة (تمديد عطلة الأمومة إلى 14 أسبوع بالإضافة إلى منح الحامل عطلة ما قبل الوضع والأب عطلة أبوية للعناية بالمولود). ولا يقر قانون الشغل وقانون الوظيفة العمومية عطلة ما قبل الوضع. كما أن عطلة ما بعد الوضع في القطاع الخاص هي نصف العطلة في القطاع العام (شهر مقابل شهرين). ولا يجرّم قانون الشغل الاعتداء على كرامة العاملات وعلى حرمتهن الجسدية والمعنوية في أماكن العمل.

ولئن جرّم القانون الجزائي العنف الزوجي فإنه لم يرتق بشكل عام إلى اعتبار العنف المسلط على النساء داخل الأسرة وفي الفضاء العمومي ممارسة تمييزية وامتهانا لكرامتها الإنسانية. ويتسم القانون المتعلق بالتحرش الجنسي بعدم الدقة في تحديد هذه الجريمة وعدم الصرامة في معاقبتها.

وما يزال القانون التونسي يشرع البغاء الذي يمثل أكبر مهانة لجنس النساء وإذلالا للرجال.

وإلى ذلك فإن القانون التونسي لا يحتوي تجريما للأفعال القائمة على التمييز ضد المرأة.

قوة عاملة هشّة ومستغَلـَّة

هذا من ناحية التشريع، أما من الناحية الواقعية فمظاهر اضطهاد النساء عديدة ومتعددة. فوضعهن في الشغل متردٍّ. فرغم الإقرار بحق المرأة في العمل فإن نسبة النساء النشيطات من بين الإناث اللواتي هن في سن الشغل لا تتجاوز 24.2% مقابل 67.8% للذكور سنة 2004 وكانت تلك النسبة في حدود 22.9 % قبل عشر سنوات أي أنها لم تطور كثيرا. ويمثل النشيطات 26.6% من عموم النشيطين من الجنسين أي أنه على 4 نشطين نجد امرأة واحدة مقابل 3 رجال، وهي نسبة ضعيفة لا مقارنة بالدول الأوروبية والآسيوية فحسب بل مقارنة حتى ببعض البلدان العربية والإفريقية. ولا يوجد ما يدلّ على أنّ الحكومة عازمة على تطوير حظوظ المرأة في الشغل إذ أن التوقعات الرسمية لسنة 2019 تؤكد أن معدّل نشاط النساء لن يتجاوز 26 %. وما من شكّ في أن سياسة النظام الرأسمالية التابعة المُوَلّدَة باستمرار للبطالة والفقر، إضافة إلى الذهنية العامة التي تعيد إنتاجها هذه السياسة والتي لا ترى في العمل ضرورة إنسانية للمرأة كي تتحرر وتكسب استقلاليتها المادية والمعنويّة وتسهم في النهوض بالمجتمع عامّة بل مجرّد مهمّة ثانويّة لمساعدة العائلة على الإنفاق، هما من العوامل التي تقلّص تلك الحظوظ.

وما يزال النساء العاملات يشتغلن في القطاعات "النسائية" تقليديا وكذلك في القطاعات الأكثر هشاشة (نسيج، فلاحة، معينات منزليات...)، وأيّ كان شغلهن فإنهن يحتللن على العموم الوظائف الدنيا ولا يشغلن الخطط الوظيفية الهامة المتعلقة بالتسيير إلا بنسب محدودة حتى وإن توفرت فيهن الكفاءة. ولا تتخذ الدولة أية إجراءات لفائدة النساء (تطبيق مبدأ التمييز الإيجابي) حتى يرتقين إلى مراكز القرار ويتم تخطِّي العقلية الذكورية التي تحقِّر قدراتهن.

كما يشمل التمييز مجال الأجور فالنساء في القطاع الخاص المتزايد حجمه باستمرار يتلقين أدنى الأجور. وحسب أرقام البنك الدولي فإن معدّل الأجر العام للنساء يقل عن معدّل الأجر العام للرجال بنسبة 14% وتصل هذه النسبة إلى %18 في القطاع الخاص. وتؤكد بعض الدراسات أن التمييز بين الجنسين في الأجر لا يتّجه نحو التقلّص بل هو يتفاقم. فالفارق التمييزي في الأجر لفائدة الرجال ارتفع من 11.2 % سنة 1980 إلى 15.3 % سنة 1999 (النساء والتشغيل ـ الكريديف 2002).

ولا تتخذ الدولة أية إجراءات لتحسين الأجور وظروف العمل في المهن التي تشغل غالبها النساء كالفلاحة والنسيج والصحة والتعليم والتنظيف والنزل والإدارات وغيرها، بل إن الدولة والأعراف على حد السواء يستغلون الوضع الدوني للنساء لتكثيف استغلالهن خصوصا في هذا الظرف الذي تتعرض فيه حقوق العمال إلى الانتهاك بعنوان "مرونة التشغيل".

ويمثل النساء العاملات الضحية الأساسية للبطالة والطرد التعسفي خصوصا في أوقات الأزمات. وفي هذا الإطار تفيد الإحصائيات حول فترة الثمانينات مثلا التي شهدت أزمة اقتصادية خانقة، أن نسبة البطالة في صفوف النساء تضاعفت بينما ظلّت على حالها تقريبا بالنسبة إلى الرجال: (من 11 % سنة 1984 إلى 21 % سنة 1989 بالنسبة إلى النساء ومن 13.7 % إلى 13.9% بالنسبة إلى الرجال). أما اليوم، فإن كانت النسبة العامة للبطالة حسب الإحصائيات الرسمية لسنة 2004 تبلغ 13.9% فإن نصيب النساء منها 16.7% مقابل 12.9% للرجال.

وتحاول السلطة في هذه الأيام الاعتداء من جديد على حق النساء في الشغل بوضع القانون الخاص بعمل النساء نصف الوقت موضع التنفيذ. ومن البديهي أن في هذا القانون تشجيعا على عودة النساء إلى المنزل كما أن فيه ضربا لحظوظ "المنتفعات" به في الترقية وفي احتلال خطط وظيفية.

وما يزال الحَمْلُ، خاصة في القطاع الخاص، سببا من أسباب الطرد والزواج والإنجاب سببا من أسباب عدم القبول في الشغل. ويعاني النساء العاملات إرهاقا متواصلا. فإلى جانب الشغل خارج المنزل فإنهن يتحمّلن أعباء العمل المنزلي وتربية الأطفال ومتابعة دارستهم والعناية بالمسنين من الوالدين مما يجعل يوم عمل المرأة يمتد في معظم الحالات من ساعة مبكرة من النهار إلى ساعة متأخرة من الليل (ما بين 16 و18 ساعة عمل يوميا). ولا تنتهج الدولة سياسة أسرية تشجع على تحمّل الزوجين أعباء شؤون العائلة وتخفيف العبء عن المرأة. وهو ما يفسّر ضعف نسبة النساء المتزوجات العاملات (18 %).

ولا تحظى المرأة الحامل بالعناية اللازمة من قبل الدولة. فالإنجاب لا ينظر إليه كوظيفة اجتماعية تحتم على المجتمع والدولة تحمل تابعاتها (نفقات الحمل والوضع وما بعد الوضع، إلخ.) بل ينظر إليه على أنه مسؤولية المرأة في المقام الأول وعائلتها في المقام الثاني. وليس خافيا ما وصلت إليه مصاريف الحمل والولادة في تونس من ارتفاع مهول يرهق كاهل المرأة والأسرة خصوصا وقد تخلت الدولة تدريجيا عن دورها الاجتماعي وفتحت باب الاستثمار والربح في قطاع الصحة لأصحاب رأس المال. وينجرّ عن عدم تمتع المرأة الحامل بعطلة ما قبل الوضع مضاعفة متاعبها. كما أن قصر مدة عطلة ما بعد الوضع في القطاع الخاص (شهر واحد) يسبب لها إرهاقا كبيرا وكثيرا ما تضطر المرأة إلى الانقطاع عن الشغل للعناية بمولودها. ولا تحترم المؤسسات الخاصة قانون الشغل في ما يتعلق بتوفير المحاضن ورياض الأطفال. يضاف إلى ذلك انتشار المحاضن ورياض الأطفال الخاصة على حساب المحاضن ورياض الأطفال البلدية. وهو ما يرهق كاهل الأسرة بمصاريف ليست قادرة عليها، وهو سبب آخر من أسباب انقطاع النساء العاملات عن العمل.

توظيف سياسي لتلميع صورة النظام

أمّا في المجال السياسي فإن حضور المرأة ضعيف بل إنه شكلي كلما تعلق الأمر بالمؤسسات والهيئات التمثلية والتنفيذية. فنسبة النساء في البرلمان لا تتجاوز 22.8% وفي المجالس البلدية 23%. وتوجد في الحكومة وزيرتان وكاتبة دولة واحدة. كما توجد امرأة واحدة في خطّة وال. ولا تتجاوز نسبة القاضيات 22.5% من مجموع القضاة (مقابل 50% في المغرب). أما الحزب الحاكم فرغم كثرة كلامه عن المرأة وعلى تحريرها فإن نسبة النساء لا تتجاوز 20.7% من عدد منخرطيه، كما أن نسبة رؤساء الشعب من النساء لا تتعدى 2.6%. ولا توجد أي امرأة على رأس لجنة تنسيق. وفي الديوان السياسي وهو أعلى هيئة لهذا الحزب توجد امرأة واحدة على 8 أعضاء. وليس حظ النساء في المنظمات الوطنية القريبة من السلطة أفضل من حظهن في الحزب الحاكم. ففي منظمة الأعراف توجد امرأة واحدة في قيادتها وفي منظمة الفلاحين لا توجد أية امرأة في مكتبها التنفيذي وهو الحال أيضا في الاتحاد العام التونسي للشغل.

إن حضور النساء هذا في الحياة العامة، على محدوديته، يستغله نظام الحكم لتأكيد حرصه المزعوم على النهوض بأوضاع المرأة التونسية والرفع من مستوى تشريكها في إدارة شؤون البلاد. ولابد من ملاحظة أن تطور نسبة حضور النساء في المؤسسات التمثيلية ليس له معنى في واقع الأمور. فبالإضافة إلى أن النائبات في هذه المؤسسات لسن منتخبات انتخابا حرا وديمقراطيا بل هن معيّنات من قبل بن علي رئيس الحزب الحاكم في إطار انتخابات صورية، لا يقمن بأي دور في بلورة وصياغة السياسة العامة للبلاد بما فيها الجوانب المتعلقة بالمرأة. فهنّ يصفقن لما يقرره بن علي ويدافعن عنه حتى ولو كان ضد مصالح النساء. هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن ذلك التطور لا يعكس تطويرا لمشاركة عموم النساء في الحياة العامة، فالنساء مازلن يقاسمن أشقاءهن الرجال الحرمان من الحقوق الأساسية ومنها حرية التعبير والتنظم والاجتماع والانتخاب والترشح وبالتالي فهن مقصيات من الحياة العامة كالرجال وأكثر منهم.

إن شكلية النسب التي يقدمها النظام تبرز بشكل خاص من خلال المعاملة الوحشية التي يخص بها النساء اللواتي يعبرن عن استقلاليتهن ويرفضن الانصياع لإرادته أو يعارضنه. وقد رأينا خلال السنوات الأخيرة أصنافا من اضطهاد النساء التونسيات، حقوقيات ومدافعات عن حقوق النساء ومناضلات سياسيات ونقابيات ومبدعات وغيرهن. فقد تعددت الاعتداءات الجسدية عليهنّ وتفاقمت حملات التشهير التي "تعهّرهنّ" في وسائل الإعلام الرسمية وشبه الرسمية وتكاثرت الإجراءات التي تحرمهنّ من الشغل والسفر. وتعاني الجمعيات النسائية المستقلة من الإقصاء والحصار الإعلامي والضغوط المادية والمراقبة الأمنية المستمرة والمنع من تنظيم الأنشطة العمومية.

كل هذا يؤكد أن نظام الحكم يسعى بكل الوسائل إلى احتكار قضية المرأة وتوظيفها لتلميع صورته والظهور بمظهر النظام"ّالتحديثي الديمقراطي". وبالإضافة إلى ما في هذا التوظيف من تعطيل لنهوض النساء، فإنه يمثل خطرا على قضيّة تحررهن في الذهنية العامة للناس إذ يبدوهذا التحرر وكأنه "منة" من منن الاستبداد وهو ما قد يخلق ردّ فعل سلبيا داخل المجتمع خصوصا إذا وقع الخلط بين مظاهر الانحلال الأخلاقي البرجوازي الرأسمالي الناتج عن تشيئة المرأة وتبضيعها وبين التحرر الحقيقي الذي هو ثمرة من ثمرات الحرية والديمقراطية والتقدم الاجتماعي والثقافي وهو أيضا حقوق وكرامة إنسانية ووعي نابع عن نقاش وتربية داخل العائلة والمجتمع.

أمّيّة متفشّية

وما يزال النساء الضحية الأولى للأمية في تونس، إذ تبلغ، حسب آخر إحصاء(2004) نسبة الأمية 31% في صفوف الإناث مقابل 14.8% في صفوف الذكور ونسبة وطنية بـ22.9% وترتفع نسبة الأمية في الوسط النسائي غير البلدي إلى 46.4 % مقابل 22.6 في الوسط النسائي البلدي وتبلغ نسبة الأمية النسائية في المناطق "المتروكة" 45.1% في الوسط الغربي و42.3% في الشمال الغربي. وإن كنا لا ننكر تجاوز نسبة الطالبات نسبة الطلبة في التعليم العالي، وهو أمر تحقق أيضا في عدد من الأقطار العربية الأخرى وليس إنجازا تونسيا، فإن البطالة في صفوف النساء اللواتي يتمتعن بمستوى جامعي ارتفعت بشكل ملحوظ لتبلغ15.1% سنة 2004.

ومن الملاحظ أن مظاهر العنف اللفظي والجسدي الذي يستهدف الفتيات والنساء قد استشرى في بلادنا سواء كان ذلك في العائلة أو في أماكن الدراسة والعمل أو في الطريق العام. وتجدر الإشارة بشكل خاص إلى وضعية الطالبات اللائي أصبح معظمهن محروما من الحق في السكن الجامعي ومضطرا إلى البحث عن سكن في أماكن غير آمنة وهو ما عرّضهن ويعرّضهن لمخاطر عديدة.

كما تفاقمت بشكل مفزع ظاهرة البغاء والاتجار بالنساء في مناخ تفشت فيه البطالة والفقر وانتشرت القيم الاستهلاكية وتلاشت المرجعيات القيميّة الإنسانية.

وما تزال وسائل الإعلام والكتب المدرسية والمنتوجات الثقافية تعيد إنتاج صورة المرأة الدونية. ولا تتخذ الدولة أية إجراءات جدية لتغيير هذه الصورة.

قضيّة المرأة

هذه أوضاع المرأة في تونس اليوم. وهي بعيدة كل البعد عن أن تعكس أوضاعا تتوفر فيها شروط المساواة التامّة بين الجنسين. هذه الأوضاع لا تنفصل عن النظام الاجتماعي القائم الذي يعيد بانتظام إنتاج شروط اضطهاد النساء وخاصّة الملايين منهن من بنات الطبقات والفئات الشعبية والفقيرة. وهذه الأوضاع أيضا هي التي تفسر وجود "قضية للمرأة" في مجتمعنا، وهي التي تبرّر قيام حركة أو حركات نسائية كما تبرر حضور المسألة النسائية بهذا الشكل أو ذاك في برامج الأحزاب والحركات السياسية.

ومن البديهي بالنسبة إلينا أن الحديث عن تردّي أوضاع جماهير النساء في بلادنا لا يمكن أن يكون مدعاة للرجوع إلى الوراء. فماضي النساء التونسيات ليس أفضل من حاضرهن حتى تقع الدعوة إلى الرجوع إليه. إن مشاكل النساء ليست متأتية من حصولهن على بعض حقوقهن أو كما يقول البعض من "الحرية" التي حصلن عليها ولكن من عدم استكمالهن تلك الحقوق وتلك الحرية وغياب مناخ اقتصادي واجتماعي وثقافي وسياسي مناسب لتحررهن تحررا حقيقيا. ومن هذا المنطلق تطرح قضية المساواة بين الجنسين وقضية تحرير المرأة بشكل عام كجزء لا يتجزأ من مسألة التغيير السياسي والاجتماعي في بلادنا وبصورة أدق كجزء لا يتجزأ من المسألة الديمقراطية.

III. تحرير النساء جزء من التغيير الديمقراطي:
لماذا المساواة؟

إن المطالبة بالمساواة التامة بين الجنسين تستمدّ مشروعيتها، في رأينا، من اعتبارات أربعة.

الأوّل إنساني عام، فحقوق المرأة من حقوق الإنسان وأي انتهاك لها أو استنقاص منها يمثل اعتداء على كرامتها الإنسانية ولا يمكن التذرّع بأي خصوصية دينية أو ثقافية أو عرقية لتبرير اللامساواة بين الجنسين أو بالأحرى اضطهاد النساء، فاللاّمساواة هي اللاّمساواة والاضطهاد هو الاضطهاد مهما كانت الأغلفة التي يتغلّف بها.

والثاني اجتماعي، وهو أنه لا نهضة ولا تقدم لأي مجتمع من المجتمعات البشرية ونصفه مشلولا ومعطّلا، لا يشارك في إنتاج الثروة الاجتماعية وفي التنمية الثقافية والعلمية على قدم المساواة مع النصف الآخر وهو ما يجعل نهضة المجتمعات وتقدمها مشروطا بهذه المساواة نصا وممارسة.

والثالث سياسي، وهو أنه لا ديمقراطية دون مساواة تامّة في الحقوق بين أفراد المجتمع بشكل عام وبين النساء والرجال بشكل خاص. إن ديمقراطية لا يمثل النساء طرفا فاعلا فيها إمّا أنها وهمية وغير موجودة أو أنها محدودة وغير متماسكة.

والرابع ثقافي وحضاري، فالعلاقة بين الجنسين تمثّل مقياسا للحكم على مدى تقدّم الكائن البشري وعلى مدى انتصار الطبيعة الإنسانية في نفسه على الطبيعة الحيوانية أي على مدى تحوّل "الماهية الإنسانية" لديه إلى "ماهية طبيعية" حسب عبارة ماركس. إنّ من لا يقدر على الاقتناع بالمساواة بينه وبين الكائن الإنساني الذي هو المرأة، لا يقدر على الاقتناع بالمساواة في أي مجال من المجالات. كما لا يمكنه أن يجعل من الحرية والديمقراطية جزءًا من "طبيعته الإنسانية"، وعليه فإن عدم الإقرار بالمساواة هو إذلال للرجل قبل أن يكون إذلالا للمرأة.

المساواة وتحرّر المرأة

ونحن إذ ندافع عن المساواة التامّة والفعلية بين الجنسين فإننا نعتقد أن تحقيقها يندرج ضمن معالجة عامة لأوضاع مجتمعنا. فهي تمثل وجها أساسيا من أوجه التغيير الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي الذي ننشده. ولا يعني هذا نفيا لخصوصية المسألة النسائية. فالنساء لهن مطالبهن الخصوصية النابعة من الاضطهاد الذي يعانين منه بسبب جنسهن وهو اضطهاد يشق في بعض أبعاده على الأقل، كافة الطبقات والفئات الاجتماعية وإن كان يتكثّف بشكل خاص في الطبقات والفئات الشعبية والفقيرة وهو ما يجعل النساء المنتميات إليها معنيات بشكل رئيسي بالنضال من أجل تحررهن وتحرير المجتمع بصورة عامّة حتى يقضى على العوامل التي تعيد إنتاج اضطهاد النساء، بينما النساء الثريّات يسهمن في القمع والإستغلال المسلّط عليهنّ.

ولا يمكن أن تتعهّد بمطالب النساء في المقام الأول سوى حركة نسائية جماهيرية منظمة ومسلحة بفكر وبرنامج تحرّريين. ولكن تحقيق مطالب الحركة النسائية لا يمكن أن يتم بمعزل عن الحركة السياسية والاجتماعية والثقافية العامّة لسبب بسيط وهو أن لا حريّة للنساء في مجتمع لا تتوفر فيه الحريّة للجميع، ولا مساواة فعلية وحقيقية بين الجنسين في مجتمع قائم أصلا على عدم المساواة بين أفراده لأسباب اجتماعية أو سياسية أو جهويّة. فتحرر نساء تونس هو جزء لا يتجزّأ من التغيير الديمقراطي والشعبي والوطني الذي ننشده في نضالنا ضدّ نظام الاستبداد الذي ينيخ بكلكله على مجتمعنا.

كما أننا حين نشرط تحقيق المساواة التامّة والفعلية بين الجنسين بتغييرات جذرية وعميقة في كافة مجالات الحياة فإن ذلك لا يعني تأجيل الخوض في هذا التحرر إلى ما بعد حصول تلك التغييرات، بل على العكس من ذلك فنحن نعتبر أن المعركة من أجل هذه المساواة ينبغي أن تجري من الآن، وهي جارية فعليا، فكما نناضل من أجل الحقوق السياسية والاجتماعية لا بدّ من النضال من أجل حقوق النساء، لا بدّ من تعبئة جماهير النساء حول حقوقهن. إن هذا النضال اليومي والدؤوب هو الذي يدرب النساء على الدفاع عن حقوقهن ويشعرهن بما لهنّ من مصلحة في التغيير الديمقراطي الجذري والعميق ويدفعهن إلى الانخراط في النضال العام من أجل ذلك. لذا نحن لا نتفق مع كل منطق يؤجل طرح مطالب النساء المتعلّقة بالمساواة بدعوى أن هذا المطلب أو ذاك ليس من الأولويات اليوم، فالمشروع الديمقراطي في كامل أبعاده الوطنية والاجتماعية والثقافية كل مترابط بعضه ببعض ومطلب المساواة التامة والفعلية من الضروري أن يندرج في برنامج أي حزب ديمقراطي بحق.

إن التجربة التاريخية التي علينا أن نستلهم منها بيّنت أن إثارة مسألة حقوق النساء في مسيرة الحركة الوطنية كان لها تأثير إيجابي في أوضاعهن في الفترة اللاحقة لخروج المستعمر، أما عدم إثارتها بحجّة أن الأولوية للمسألة الوطنية، وكأن أولوية هذه المسألة تنفي طرح بقية القضايا، بل كأن تعبئة النساء حول حقوقهن ليست من العوامل التي تعبئهن للانخراط في النضال الوطني، كانت له نتائج سلبية إذ وجد النساء أنفسهن مقصيات من جديد من الفضاء الاجتماعي والسياسي.

المساواة في الإرث

من هذا المنطلق نحن نؤيد الحركة النسائية الديمقراطية في طرح مطلب المساواة في الإرث، ولا نرى من داع إلى تأجيل طرحه بحجة أن الأولويات اليوم لمطالب أخرى مثل مطلب الحريات السياسية. إننا نتفهّم أن هذا المطلب لا يمكن أن يكون عنوانا رئيسيا في المرحلة الحالية للتكتيك السياسي العام للحركة السياسية، كما نتفهّم أنه حتى بالنسبة إلى عموم النساء لا تمثل المساواة في الإرث همهن الرئيسي اليوم مقارنة بما يعانين منه يوميا من طرد جماعي واستغلال فاحش، ولكن ذلك لا يعني أن لا تؤيد الحركة الديمقراطية حملة نسائية من أجل ذلك المطلب أو أن لا تدرجه ضمن نقاطها البرنامجية المتعلقة بالمساواة بين الجنسين. إن هذا المطلب قد لا يتحقق في الظرف الحالي سواء لأن نظام الحكم يرفض تحقيقه أو لأن الذهنية العامّة، وهذا أمر يستحق الإثبات لانعدام الحرية في بلادنا وغياب تقاليد سبر الآراء، غير مهيأة لتقبل ذلك المطلب ولكنّ أي مطلب يمرّ دائما بمرحلتين، الأولى دعائية تهدف إلى إقناع الرأي العام به، والثانية عملية تهدف إلى تعبئة الرأي العام عبر أشكال نضالية ملموسة لتحقيقه. ولكن للقيام بذلك ينبغي أن تكون الحركة السياسية المعنية مقتنعة بالمطلب المحدّد وبمشروعيته وتدرجه ضمن لائحة مطالبها.

ومهما يكن من أمر فإنّ مطلب المساواة في الإرث يكتسي بالنسبة إلينا، بالإضافة إلى طابعه الاجتماعي المباشر المتمثل في الحيف الذي يلحق النساء من جرّاء عدم المساواة أو من التحيّل الذي هن ضحية له حتى في حدود النصيب الذي يسنده إليهن القانون، طابعا رمزيا في سياق النضال من أجل تحقيق المساواة في الحقوق بين الجنسين، لأن إقرار المساواة في الإرث من المسائل الهامة التيستيسّرنقاشمسألة حقوق النساء التونسيات كقضية حقوق مدنية واجتماعية وسياسية وثقافية وتنزع عنها كل حجاب لاهوتي.

إن مسألة الإرث مسألة اجتماعية في الأساس أُلْبِسَتْ لبوسا دينيا وحُنِّطَتْ في المجتمعات العربية-الإسلامية عن طريق الفقهاء الذين تحرّكهم نظرة ذكورية معادية للمرأة. والإرث مسألة اجتماعية لأنه يهم توزيع الثروة داخل العائلة ومن البديهي أن يرتبط هذا التوزيع بالظروف الاجتماعية لكل عصر وبالتالي بموقع الذكور والإناث في العلاقات الاجتماعية، ومن المعلوم أن موقع النساء في هذه العلاقات قد تغيّر عبر العصور ولم يبق على ما كان عليه في الماضي.

كانت القاعدة في قريش وفي الحجاز عامّة أن لا يرث النساء لأنهن "لا يَحُزن الغنيمة ولا يقاتلن على ظهور الخيل" وكان الحرمان من الإرث يطول حتى الصغار من الذكور لنفس الأسباب المتعلّقة بنمط الحياة الاجتماعية التي يقوم فيها الكبار من الذكور بدور أساسي في حماية القبيلة وتوفير الغذاء لها، وتذكر كتب التاريخ أن من ابتدع قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" هو القرشي "ذو المجاسد" عامر بن جشم بن غنم بن حبيب بن كعب بن يشكر (جواد علي. المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام، ج5، ص 562 )، وقد أخذ الإسلام هذه القاعدة لاحقا وعمّمها. وكون الإسلام أخذها وعمَّمها لا ينفي إطلاقا طابعها النسبي، لا ينفي كونها "نتاجا تاريخيا" نابعا من واقع اجتماعي محدد، ويخطئ من يصبغها بصبغة إطلاقية ويجعل منها قاعدة ميتا-تاريخية (فوق التاريخ وخارجه).

لقد نسّب الطاهر حداد، وهو الزيتوني كما قلنا، "حكم الإرث" ودعا إلى تجاوزه مستندا إلى تغيّر الواقع الاقتصادي الذي تغيّر معه موقع المرأة في العلاقات الاجتماعية. فقد خرجت إلى الشغل. وأصبحت تسهم في إنتاج الثروة الاجتماعية وفي الإنفاق على العائلة وهو ما يجعل الحفاظ على اللامساواة في الإرث أمرا لا مبرر له، بل فيه انتهاك لحقوقها المدنية. كما يجعل تبرير هذا الحفاظ بحجج دينية أمرا غير معقول،"لأن ما كان للمرأة في الماضي ليس ناشئا عن جوهر خلقتها وإنما كان ذلك فصلا من فصول حياتها الطويلة" (الطاهر الحدّاد - امرأتنا في الشريعة والمجتمع).

العمل والمساواة والتمييز الإيجابي

وما دام الحديث عن الإرث، أود أن أوضح نقطة هامة، تثار كلما تم التطرق إلى هذه المسألة. يقرّ بعض رموز التيار الإسلامي، التاريخيين على غرار الشيخ حسن البنا، بوجود اللامساواة في الإرث في الإسلام، ولكنه لا يرى في هذه اللامساواة مسا بحقوق المرأة، بل يعتبرها من باب "العدل" لأن الرجل تعود إليه مسؤولية الإنفاق على العائلة (أي القوامة) فاللامساواة بالنسبة إليه ليست دائما مظلمة كما أن المساواة ليست دائما مؤشرا للعدل. وهو ما نخالفه فيه الرأي، فاللامساواة، عندما يتعلّق الأمر بالحقوق الإنسانية، هي في كل الظروف منافية للعدل. ففي المجال الذي نتحدّث عنه وهو الإرث، فكون المرأة كانت عند مجيء الإسلام مهمّشة وتابعة والرجل "قوَّاما عليها" وعلى العائلة هو أمر ليس للمرأة فيه مسؤولية وليس مرتبطا بـ"خواص عقلية وجسدية متأصلة فيها"، بل مرتبطا بالموقع الذي فُرض عليها في العلاقات الاجتماعية وحرمها من تحمل مسؤوليتها كاملة في العائلة والمجتمع، فالذنب إذن هو ذنب "التاريخ" إن شئنا وليس ذنبها. وليس أدل على ذلك من أنه لمّا خرج النساء إلى الحياة العامة وتعلّمن واشتغلن وتحمّلن المسؤوليات أظهرن أنهن يتمتعن بنفس المؤهلات الإنسانية التي يتمتع بها الرجال.

ثمّ وإذا اعتبرنا جدلا أن عدم منح المرأة نصيبا متساويا لنصيب الرجل كان إجراء "عادلا" باعتبار تحمل الرجل مسؤولية الإنفاق على العائلة، أفلا يصبح منافيا للعدل، مواصلة تطبيق نفس القاعدة في زمن أصبحت فيه المرأة تشارك الرجل في الإنفاق على العائلة وفي تنمية الثروة العامة للمجتمع، بل أليس من العدل اليوم التسوية في الإرث بينهما؟ ومهما يكن من أمر فإن هدفنا من كل هذا هو تأكيد أن العدل ينبغي أن يخدم المساواة لا أن يبرر اللامساواة التي هي في كل الحالات انتهاك لإنسانية المرأة.

يمكن أن تكون اللامساواة هي القاعدة في عصر من العصور ولها ما يفسّرها في العلاقات الاجتماعية ولكننا حين نقيّمها اليوم في عصرنا الذي أصبحت فيه المساواة قاعدة إنسانية معترفا بها، فلا مناص من الاعتراف بأن ذلك الميز كان تاريخيا على حساب حقوق المرأة واستنقاصا لذاتها وأنه علينا أن لا نواصل الدفاع عنه والبحث له عن تبريرات. وربما قال قائل و"التمييز الإيجابي" لفائدة النساء أليس شكلا من أشكال "اللامساواة العادلة"؟ هذا غير صحيح لأن التمييز الإيجابي وهو جملة الإجراءات الاستثنائية والمؤقتة التي تهدف إلى تيسير بلوغ النساء مواقع القرار والتسيير التي أقصين عنها وظلت حكرا على الرجال لردح طويل من الزمن، أو هو جملة الإجراءات التي تمنع استخدام القوّة العاملة النسائية في أعمال تضرّ بصحتها في علاقة بوظيفتها الإنجابية، هي إجراءات عادلة ولا يمكن المقارنة بينها وبين اللامساواة في الإرث. إن التمييز الإيجابي ليس منّة على النساء ولكنه واجب المجتمع تجاههنّ، فالتمييز الإيجابي في مجال الشغل هو واجب الدولة والمجتمع تجاه النساء اللّواتي يقمن بوظيفة "إعادة إنتاج الحياة" أو إن شئنا "ضمان استمرارية الجنس البشري"، لأن في الحفاظ على صحّة المرأة حماية لها هي كإنسان أولا ولصحّة مولودها ثانيا وضمانا لإنجاب أجيال متعافية ثالثا.

أما التمييز الإيجابي في مجال الترقية المهنية والتمثيلية في الهيئات العامة فهو من باب إنصاف نصف البشرية الذي عانى طويلا من الاضطهاد واللامساواة والذي ما يزال يعاني من ذلك الموروث المتغلغل في ذهنية الذكور وسلوكهم لتمكينه من تدارك ما فاته من وقت لتفكيك بنى اللامساواة تمهيدا لتجاوزها وتعويضها بأخرى قائمة على المساواة. وهكذا فإن العدل يهدف إلى بلوغ المساواة في وضع يتميز باللامساواة لفائدة الرجال.

العَلمانية

إن أحد المشاكل الفكرية التي تعاني منها مجتمعاتنا العربية يتمثل في تحويل المسائل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية وفي كلمة المسائل ذات الطابع العَلْمَاني، الدنيوي إلى مسائل لاهوتية / دينية. وأودّ هنا أن أعرّج على موضوع العَلْمَانية الذي أشار إليه قبلي أحد المتدخلين. فالعَلْمَانية تعرّضت وما تزال إلى التشويه. فقد قُدِّمت وما تزال على أنها رديف "الإلحاد" أو "قمع الدين والمتدينين" أو "الفساد". ويحاول مروجو هذه الادعاءات الاستناد إلى "علمانية" الأنظمة العربية (بورقيبة / البعث) وحتى كمال أتاتورك لتأكيد موقفهم. وهذا كله محض خطأ.

جاءت العَلمانية نتيجة تحولات اجتماعية وفكرية وثقافية وعلمية عميقة في المجتمعات الغربية، هدفها إعلاء شأن الإنسان وتحرير طاقاته الإبداعية في كل الميادين من استبداد رجال الدين الذين كانوا أهم سند للاستبداد السياسي. وعن العَلمانية تولـّدت حرية الفكر والضمير والرأي. كما تولدت الديمقراطية المؤسسة على مبدأ المواطنة التي تمنح جميع أبناء الوطن الواحد نفس الحقوق الأساسية دون تمييز بينهم بسبب معتقداتهم أو فلسفتهم في الحياة.

وإذا كانت العَلْمَانِية، شأنها شأن الديمقراطية المعاصرة، والثورة الصناعية، والعلمية، نشأت في أوروبا فذلك لا يعني أنها صالحة لها فحسب، بل هي مكسب إنساني إذ لا يوجد مجتمع بشري ليس في حاجة إلى / أو ليس أهلا لـ/ الحرية والديمقراطية. ومجتمعاتنا ذاتها في أشد الحاجة إلى العلمانية للخروج من الجمود والاستبداد والصراعات الطائفية التي تمزّق أبناء الوطن الواحد من أصحاب المذاهب أو الديانات المختلفة بتحريض خفي أو جليّ من القوى الاستعمارية والرجعية(العراق، لبنان)، حتى يتجمعوا ويتوحدوا تحت سقف ذلك الوطن ويعملوا سويا من أجل رقيّه في كنف الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. ولأن العلمانية رديف للح

_________________
farouq734361335@gmail.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاروق السامعي

avatar

ذكر عدد المساهمات : 173
تاريخ التسجيل : 14/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: مطارحات حول قضيّة المرأة   26/12/10, 04:18 pm

إن تشيئة المرأة وتبضيعها هما إحدى أهم سمات الواقع الاجتماعي في تونس اليوم وتمثلان أفظع نتيجة لهذه التشيئة وهذا التبضيع ما يمكن تسميته بـ"سوق اللذة" التي ظهرت إلى جانب "الأسواق الأخرى" إذ أصبح جسد المرأة يباع ويشترى مما أدى إلى انتشار ظاهرة البغاء في كافة الأوساط. ومن نتائج ذلك أيضا التكالب على الجنس إذ أصبحت العلاقة بين المرأة والرجل يسيطر عليها الجانب الجنسي، بل إن العلاقات الجنسية ذاتها فقدت جانبا كبيرا من بعدها الروحي، النفسي العاطفي، الثقافي الإنساني ليسيطر عليها الجانب الغريزي، الحيواني. وبالطبع عززت هذا الاتجاه القنوات التلفزية البورنوغرافية التي تذلّ المرأة وتدمّر عقول الشباب وتخرّب نفسياتهم وتفقدهم الكثير من إنسانيتهم.

ولكن لا ينبغي الخلط في تناول هذه المسألة بين ما يندرج حقا في مجال التدهور الأخلاقي في العلاقة بين الجنسين وبين ما يندرج، خلافا لذلك، في مجال التطوّر الإيجابي، التقدمي للأخلاق الاجتماعية.

إن خروج النساء والفتيات إلى المدرسة والعمل واقتحامهن عديد الميادين واختلاطهن بالجنس الآخر، كل ذلك أدى إلى تحولات في شخصياتهن ونفسياتهن لا ينبغي النظر إليها كـ"علامات سلبية"، على غرار ما تروّج له التيارات السلفية والأصولية والرجعية عامة. فما اكتسبته المرأة مثلا من جرأة وقدرة على الدفاع عن ذاتها وحقوقها، ومن حرية في اختيار شريك حياتها أو الطلاق في حالة الفشل وربط علاقات عاطفية جديدة والجرأة على التعبير عن المشاعر والرغبات وعن الحق في علاقات عاطفية وجنسية متكافئة مع الشريك أو القرين والشعور بأن جسدها هو ملكها، ليس قابلا للبيع أو الشراء، أو أن لها كلمتها في إنجاب الأطفال بما في ذلك الحق في إيقاف الحمل لهذا السبب أو ذاك الذي يهمّ صحتها الجسدية أو النفسية أو غيرها من العوامل، وتمسكها بحقها في الشغل وفي كسب استقلاليتها المادية والمشاركة في إدارة شؤون العائلة وتقرير مصير الأطفال ورفض كافة مظاهر الإهانة من تعنيف ونيل من الكرامة وغير ذلك من الممارسات التمييزية، في كلمة تمسكها بالمساواة مع الرجل والكفاح من أجل ذلك، كل هذه المظاهر هي مظاهر تقدمية في حياتنا الاجتماعية، وهي وليدة التطور الاجتماعي الموضوعي، الذي لا تقدر على صدّه أية قوة. كما أنها تمثل تجاوزا للتقاليد والعادات الاجتماعية والثقافية البالية التي تعتبر المرأة أداة للمتعة والإنجاب بل متاعا من أمتعة الرجل وتـُعرّف المرأة الصالحة وفقا لمعايير الخنوع والخضوع والذل وانعدام الشخصية والتضحية بالحرية والحقوق من أجل الرجل صاحب كل الحقوق والامتيازات أي المرأة التابعة الذليلة. ولكن ينبغي الإقرار بأن تلك المظاهر الإيجابية والتقدمية هي بصدد التشوّه من جراء المناخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي السائد الآن في بلادنا والذي تستغله التيارات الرجعية للهجوم على مكاسب النساء وتعمّد الخلط بين هذه المكاسب وبين مظاهر الانحلال والفساد الأخلاقيين والإيهام بأن تلك المكاسب هي مصدر ذلك الانحلال والفساد، والحال أن مصدرها آخر، يكمن في النظام الرأسمالي الليبرالي المتوحّش الذي يحكم العلاقات الاجتماعية في بلادنا ويؤثر أيما تأثير في الأخلاق والسلوك. وهنا يكمن التهديد الجدي الذي تمثله الدكتاتورية النوفمبرية، التي "ترعى" هذه العلاقات، لمكاسب النساء فهي التي تدمرها وتيسّر وضعها محل مراجعة.

إن مواجهة التدهور الأخلاقي في المجتمع لا يمكن أن تتم إذن بتجريم المرأة، وعقابها وإرجاعها إلى البيت أو "تحجيبها"، ولكن بمقاومة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى التدهور الأخلاقي كما أدت إلى إذلال النساء وتبضيعهن والتي هي كامنة في النظام الرأسمالي وأمراضه غير القابلة للإصلاح أو العلاج. إنّ المجتمع التونسي في حاجة إلى ثورة لا إلى ردة في الأخلاق، والنساء في حاجة إلى الحرية لا إلى الاستعباد، والعائلة التونسية في حاجة إلى أن تسود داخلها المساواة والعلاقات الديمقراطية، لا إلى التسلط والقهر والإخضاع.

إن الأخلاق التي ينبغي لنا أن نناضل من أجل ترسيخها وإعلائها، في مجال العلاقة بين الجنسين هي تربية الفتاة التونسية على الحرية لا على العبودية، على الجرأة، لا على الخوف، على الاستقلالية، لا على التبعية، على المسؤولية، لا على القصور والاتكالية، على الحق، لا على المنّة والصدقة، على الكرامة لا على الذل. كما ينبغي لنا أن نربي الفتيان على احترام المرأة، لا على احتقارها، على عقلية المساواة، لا على الاستعلاء أو التمييز، وعلينا أن ندرك في نهاية الأمر أن الزواج الأخلاقي الوحيد هو الزواج القائم على حرية الاختيار خارج أي ضغوط مادية أو معنوية وأن العلاقات الجنسية الأخلاقية الوحيدة هي العلاقات القائمة على الحبّ، وأن العائلة الأخلاقية الوحيدة هي العائلة القائمة على المساواة التامة والفعلية وعلى الديمقراطية في العلاقة بين أفرادها.

هذه هي الأخلاق التي على كل تقدمي أن يدافع عنها وينشرها بين الأجيال الحالية، ويناضل من أجل أن تصبح هي السائدة في العلاقة بين الجنسين. ومن البديهي أن ذلك مرتبط أشد الارتباط بالنضال على كافة الواجهات الأخرى، ذلك أن الأخلاق الإنسانية الرفيعة، لا يمكن أن تنبت وتنمو وتسود إلا في المناخ الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والثقافي الذي يلائمها، فكما أن مناخ الرأسمالية الليبرالية التابعة والمتوحشة والاستبداد يلائم تشيئة المرأة وتبضيعها واستغلالها واضطهادها وتأبيد اللامساواة بينها وبين الرجل فإن، مناخ الاشتراكية والديمقراطية، يلائم معاملة المرأة ككائن إنساني واحترام حريتها وحقوقها وإقرار المساواة بينها وبين الرجل.

وهنا لا بد من دفع شبهة يمعن بعض رموز الحركات الإسلامية في ترويجها مفادها أن "العلمانية تفسد الأخلاق". إن العلمانية لم تفسِدْ ولا يمكن أن تفسد الأخلاق، بل إنها على العكس من ذلك ساعدت تاريخيا على تنسيبها وتطويرها والارتقاء بها. فما دامت الأخلاق، من منظور علماني، جملة القيم التي تنتجها مجموعة بشرية معينة، وتحديدا الطبقات السائدة في ظرف تاريخي معين، وتفرضها على باقي المجتمع كأخلاق عامة تبرر بها سيطرتها ومصالحها، فإنها تبقى قابلة للنقد والمراجعة والتغيير، ولا يمكن النظر إليها، كما يزعم بعض "رجال الدين" الذين خدموا الأنظمة العبودية والإقطاعية كـ"قيم مطلقة وسرمدية" بهدف تأبيد خضوع الفقراء للأغنياء، والعبيد للأسياد، والأقنان للإقطاعيين، والنساء للرجال، والسود للبيض، وأتباع الأقليات الدينية أو العرقية والقومية للطائفة المسيطرة، إلخ. ففي حين يعلن رجل الدين الرجعي مثلا أن اللامساواة بين الجنسين "مبدأ إلهي" غير قابل للتغيير وعلى النساء الإذعان له، تعلن العلمانية أنها "نتاج تاريخي". ولـّدته علاقات اجتماعية معينة، كانت المرأة فيها في موقع دوني، وأن العصور الحديثة وفـّرت الشروط اللازمة لتصبح المساواة المبدأ الأخلاقي الجديد الذي يوجه العلاقات بين الجنسين وأنه من اللا أخلاقي أن يواصل اليوم شخص الدفاع عن اللامساواة التي ترمز إلى عصور متخلفة ووحشية من تاريخ الإنسانية، تماما كما هو الشأن بالنسبة إلى الرق، فمن يجرؤ اليوم على مواصلة الدفاع عنه، بينما كان في العصور الغابرة، وإلى حد القرن العشرين في العديد من البلدان العربية والإسلامية، ظاهرة عادية وكانت الأخلاق السائدة تقتضي أن يخضع العبد لسيده ويتصرف كمتاع من أمتعته. وخلاصة القول فإن أعداء العلمانية عوض أن يحمّلوا الأنظمة الاقتصادية والاجتماعية بما فيها النظام الرأسمالي اليوم، مسؤولية هذا النمط من الأخلاق أو ذاك، يلقون باللائمة على العلمانية لأنهم في الواقع يريدون فرض أنماط أخلاقية على المجتمع باعتبارها "حقائق أبدية" ومن بينها اللامساواة بين الجنسين التي يضفون عليها طابعا قدسيا.

(3) أحكام الشريعة: التاريخ/النسبية:
أشرتُ في مداخلتي إلى أن أحد أهم المشاكل التي تعاني منها الحياة الفكرية في مجتمعاتنا العربية والإسلامية هو إلباس المسائل الدنيوية، العَلمانيّة، لبوسًا دينيا، وتحويلها إلى مسائل لاهوتية وإضفاء طابع قدسي وإطلاقي عليها وتحريم الخوض فيها وتكفير كل دعوة إلى تعديلها أو تغييرها. ففي الأوساط الدينية المحافظة والتيارات السلفية والأصولية مثلا يعتبر تعدد الزوجات وعدم المساواة بين الرجل والمرأة وحرمانها من حقوقها الأساسية بما في ذلك أحيانا حقها في الدراسة والشغل وممارسة مختلف المهن والوظائف العمومية وقوامة الرجل على المرأة و"حقه" في تأديبها ضربا، جزءا لا يتجزأ من "العقيدة الإسلامية" ومن "الهوية العربية الإسلامية" وبالتالي فإن الطعن في تلك الأحكام والمواقف والممارسات يعتبر طعنا في الدين والهوية.

وليس هذا الموقف موقفا، هامشيا معزولا اليوم، بل هو موقف شائع، مؤثـّر شديد التأثير خصوصا مع المد الذي يعرفه مجددا الفكر السلفي بكل تلويناته وتيارات الإسلام السياسي بمختلف فروعها. وقد أحدث هذا الواقع ارتباكا شديدا داخل القوى الديمقراطية العلمانية التي تعددت ردود فعلها. ونودّ التعرّض بصورة خاصة إلى ردّتي فعل من بين هذه الردود، ويتمثل الأول في التراجع عن الدفاع عن حقوق المرأة من موقع عَلماني، تقدمي، واللجوء إلى "حجج دينية" للدفاع عن هذه الحقوق اقتداء ببعض أعلام المدرسة الإصلاحية الإسلامية أمثال الطاهر الحداد وقاسم أمين ومحمد عبده وغيرهم، ممّن حاولوا إعادة تأويل النص الديني لتحميله معاني جديدة تتوافق مع ضرورة تحرير المرأة من العديد من القيود التي تكبلها. وقد نحا البعض الآخر منحى مناقضا لهذا التوجه إذ يغالي في نقد الإسلام متهما إياه بأنه السبب الرئيسي في الأوضاع التي تعاني منها المرأة، ويردّ ردا انفعاليا على كل إشارة إلى الإسلام أو إلى الهوية العربية الإسلامية حتى لو لم تكن لها أية علاقة بالحركات السلفية والأصولية. إن هذين الموقفين أحاديا الجانب ويتطلبان منا توضيحات وتصحيحات عدة حتى يستقيم أمرهما.

إن الموقف الأول يتميز، كما لا يخفى على أحد، ببعض النجاعة السياسية لما فيه من مراعاة إن لم نقل من "تحيّل"، على الذهنية العامة للناس، بما أنه يحاول أن يقنعهم بأنهم، بتبنيهم لهذا المكسب أو ذاك من المكاسب المتعلقة بالمساواة بين الجنسين والتي تحققت في العصور الحديثة، لا يخرجون من "قشرتهم" أي لا يتخلون عن "دينهم" و"هويتهم" و"تراثهم" أي أنهم يبقون "هُمُ" وهو ما يريح ضمائرهم، ويقيهم ولو نسبيا، من بعض الارتباك أو الشعور بنوع من الانفصام. لكن لهذا الموقف حدوده ومساوئه، لا لسبب هشاشته المنهجية في مواجهة "المحافظين" الذين يمكنهم أن يستخرجوا من النصوص الدينية، آيات وأحاديث كثيرة قادرة على "مهزلة" التأويلات التي يقوم بها أصحاب ذلك الموقف وإظهار طابعها الملفق (خصوصا إذا كان الموقف الوارد في تلك النصوص واضحا) بل لأنه يحوّل المعرفة إلى مجرّد عملية تأويل مستمرة للنصّ. فالنص مطلق، ثابت، جاء بكافة المعارف، وفي كافة الميادين مرة واحدة وما على المسلم إلا أن "يولّد" أو "يستنبط" منه، عن طريق إعادة التفسير والتأويل وفقا لمقتضيات العصر، وهو ما ينزع عن المعرفة بشكل عام وعن المعارف الواردة في النص بشكل خاص طابعها التاريخي. إن المعرفة غير معزولة إطلاقا عن التجربة والممارسة التاريخيين في كل المجالات وتحديدا في العلم والاقتصاد والاجتماع والسياسة. وبما أن المعرفة تاريخية فهي مثلها مثل كل الظواهر التاريخية، تتطور وتشهد في تطورها تراكمات كمية كما تشهد قفزات نوعية تنتقل فيها من طور إلى طور تتم فيه مراجعة المعارف السابقة في هذا الميدان أو ذاك، فيكون لذلك انعكاس على حياة الإنسان الفكرية (نظرته لنفسه وللمجتمع والطبيعة) والمادية (وسائل عيشه...).

وفوق ذلك فإن هذه النظرة التأويلية تطمس ما يقوم به "المؤوّلون" من مجهود معرفي، ذلك أن المواقف التي يعبرون عنها هي في الواقع منطلقة من معارف عصرهم الناجمة عن سيرورة تاريخية عاشتها مجتمعات أخرى متقدمة أو تعيشها مجتمعاتهم ولو بشكل جزئي ومحدود أو حتى مشوه كما هو حال المجتمعات العربية. ولكن هؤلاء يحاولون تقديمها على أنها موجودة أصلا في النصوص الدينية أو أن هذه الأخيرة لا تعارضها مبدئيا. ويكمن الجانب السلبي في هذا المنهج في أنه يشجع المؤمن/المسلم على نوع من الكسل والخمول الفكريين، فهو عوض أن يجتهد ويبحث وينقد ويراجع ويتجاوز أو حتى يقطع ويؤسس، أو بالأحرى ينتج معارف جديدة في هذا المجال أو ذاك، يكتفي باستهلاك المعارف التي ينتجها الآخرون المتقدمون عنه تاريخيا، مع محاولة "تأصيلها" أو "تجذيرها" بشكل تلفيقي في ثقافته. إن المعرفة لا ينتجها إلا من يدرك أنها حصيلة بحث وصراع مع القديم الذي تجاوزه الزمن. فالمساواة بين المرأة والرجل مثلا ليست موجودة من قبل في أي حضارة من الحضارات، ولم تقرّها بشكل تام وفعلي أي شريعة من الشرائع لأسباب تاريخية بالطبع، وهي نتاج العصور الحديثة التي سجلت تطورات نوعية في كافة ميادين الحياة، وحتى في هذه العصور لم تأت المساواة ولم يقع إقرارها كمبدأ عام إلا عبر صراعات مضنية خاضها النساء وأنصارهن من الرجال التقدميين. لذلك فأن يقول المرء إن المساواة بين الجنسين "موجودة في النص أصلا" وتكفي قراءته وتأويله من جديد على هذا النحو أو ذاك، إنما هو يوقع المسلم، عن وعي أو عن غير وعي، في خلط من شأنه أن يحدّ من جهوده لكسب المعرفة وإنتاجها إضافة إلى أنه لا يتيح له التعامل مع تاريخه وثقافته من زاوية نقدية. إن النصوص، كل النصوص، بما في ذلك النصوص الدينية لها تاريخيتها أي أنها مرتبطة باللحظة التاريخية التي ولـّدتها أو وُلِدَتْ فيها وهي تحمل بالضرورة سماتها.

هذا في خصوص الموقف الأول. أما الموقف الثاني فإن ما يتسم به من تشنج إزاء الإسلام لا تفسره إلا النظرة اللا تاريخية إلى هذه الديانة، وهي نظرة لا تختلف في لا تاريخيتها عن النظرة المقابلة التي تعتبر أحكام الإسلام أو شريعته "خارجة عن التاريخ" و"صالحة لكل زمان ومكان". إن الإسلام، موضوعا في إطاره التاريخي، شكّل "ثورة" في اللحظة التي جاء فيها، والعبارة ليست لي، وإنما هي لكارل ماركس، واضع أسس علم التاريخ الحديث. وقد شكل الإطار الفكري والسياسي لأعظم حضارة في العصر الوسيط، وأدخل إصلاحات على وضع النساء مقارنة بوضعهن السابق، في مكة والحجاز خاصة. وظهر خلال القرون الأولى للإسلام مفكرون استنكروا الوضع الدوني للمرأة في ما تعلّق بتعدد الزوجات، أو حجبهن في البيوت واستعبادهن (المعري، الجاحظ، ابن رشد...). ولما توقفت الحضارة العربية الإسلامية عن التطور وتحديدا عن الانتقال إلى مرحلة الرأسمالية لأسباب لا يسمح المجال بشرحها وسيطر على المجتمعات العربية والإسلامية الجمود الفكري والعقائدي، ازداد اضطهاد النساء وأصبغ الفقهاء وضعهن الدوني بصبغة قدسية، وربطوا ذلك الوضع بـ"إرادة إلهية". وكان النساء في البلدان المسيحية يعانين وقتها من نفس الأوضاع بل أحيانا من أوضاع أقسى وأشدّ. ولكن ما حصل هو أن هذه البلدان شهدت نهضة كبرى بظهور الرأسمالية فيها التي توّجت بثورات سياسية واجتماعية وفكرية ذات طابع بورجوازي خلقت إطارا جديدا لطرح مسألة تحرر النساء من عبودية القرون الوسطى. وفي الوقت الذي كان فيه النساء في أوروبا في القرن 19 ينهضن، كانت الأوضاع في المجتمعات العربية والإسلامية راكدة وأوضاع النساء فيها متخلفة، وفي هذه اللحظة حصل الانفصال بين وضع النساء في أوروبا ووضع النساء في البلدان العربية والإسلامية ثم حصل لاحقا الانفصال بين وضع النساء في معظم بلدان العالم التي شهدت تحولات ووضع النساء في البلدان العربية والإسلامية التي حافظت على أنظمتها القديمة. ولا يمكن تحميل مسؤولية تخلف أوضاع النساء العربيات والمسلمات إلى الإسلام في حد ذاته، فهذه نظرة مثالية مغلوطة. إن الإسلام جاء في لحظة تاريخية محددة وقام بدور هام في تطوير وضع المجتمعات العربية القديمة ولكنّ المسؤولية مسؤولية المسلمين الذين لم يطوروا أوضاعهم ولم ينهضوا كما نهض الأروبيون، وحافظوا على بناهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية التقليدية المتخلفة، التي سهلت سيطرة الاستعمار عليهم. وبما أنهم لم يتطوروا ولم ينهضوا فإنهم لم يشهدوا ثورات فكرية واجتماعية وسياسية، كما أنهم لم يشهدوا حتى حركة إصلاح ديني عميقة كالتي شهدتها أوروبا في القرن السادس عشر. ولم ينتجوا معارف جديدة ولم يحدثوا تحولات جوهرية في أوضاع النساء. وما يزال العرب والمسلمون إلى اليوم يعانون من التخلف لأنهم، لم يشهدوا، رغم كل المحاولات، ثورة جذرية على أوضاعهم، لأسباب داخلية وخارجية، منها الهيمنة الامبريالية الاستعمارية في أشكالها القديمة والجديدة من جهة وأنظمة العمالة والاستبداد من جهة ثانية. وهذا التحالف معيق للتطور والتحديث في المجتمعات العربية والإسلامية وهو في أحسن الأحوال يقود إلى تحديث مشوه. ولا يمكن تحقيق نهضة عميقة وشاملة قادرة على الارتقاء بوضع النساء إلا بالقضاء على هذا التحالف. وهذه المهمة لا يمكن أن تنجزها إلا الطبقة العاملة المسنودة بالشعب، لأنها هي القوة الاجتماعية الوحيدة القادرة، في غياب بورجوازية وطنية، على قيادة تحولات اقتصادية واجتماعية وسياسية وثقافية عميقة ولكن هذا الأمر يبقى مشروطا بوعيها بذاتها وبدورها الاجتماعي. لذلك فإن محاولة ربط التأخر الحالي الذي تعاني منه أوضاع النساء بـ"الإسلام" في حد ذاته هو تفسير مثالي، دون أن يعني ذلك أن الإيديولوجيا الدينية ليس لها دور في عرقلة تحرر النساء، ولكن هذه الإيديولوجيا تفعل فعلها من خلال البنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التقليدية، وما يسهّل تجاوزها هو تثوير هذه البنى، وقتها ستتوفر الظروف لتتهاوى تلك الإيديولوجية وتحل محلها إيديولوجيا تقدمية.

إن ما أردنا قوله هو أن التشنّج الذي يبديه البعض حيال الإسلام لا يمكن أن يقنع عامة الناس الذين سيرون فيه استفزازا لمشاعرهم الدينية. ولكن هل يعني ذلك عدم نقد الشريعة أو الدين أو الفكر الديني بصفة عامة، بدعوى عدم المساس بتلك المشاعر. لا، أبدا! إنما المسألة تتمثل في معرفة أي مدخل يمكن اعتماده لمناقشة أحكام الشريعة المتعلقة بالمرأة مثلا، مناقشة هادئة، موضوعية، مقنعة، لا مجال فيها لاستفزاز المشاعر الدينية من جهة أو لتقديس أحكام الشريعة من جهة ثانية. إن هذا المدخل هو التاريخ الذي قال عنه ماركس في "الأيديولوجيا الألمانية": "نحن لا نعرف إلاّ علما واحدا وهو علم التاريخ" تأكيدا لأهميته في معرفة تطور الحياة البشرية والقوانين العامة التي وجّهتها وحكمتها. والتاريخ هو الذي يمكّننا من تنسيب الأشياء. فوضع كل حكم من أحكام الشريعة في إطاره التاريخي أي في إطار الظروف الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية التي يتنزل فيها من شأنه أن ينزع عنه كل طابع إطلاقي ويبين لماذا كان على ذلك النحو وليس على نحو آخر ويضفي عليه بالتالي صبغة انتقالية في مجرى التاريخ المتطور باستمرار.

لقد بينتُ في مداخلتي مثلا الطابع التاريخي، النسبي، الانتقالي لأحكام الميراث وارتباطها بالعلاقات الاجتماعية التي كانت سائدة وقتها في مكة والحجاز، وأكدت أن هذه الأحكام تجاوزها الزمن بتجاوز الظروف التي أنشأتها ومجيء ظروف جديدة أصبح فيها للنساء موقع جديد في العلاقات الاجتماعية بسبب خروجهن إلى الشغل ومساهمتهن في الحياة العامة. ويمكننا إضافة مثال ثان وهو حدّ قطع يد السارق. فهذا العقابُ كان سابقا للإسلام وابتدعه حسب الإخباريين الوليد بن المغيرة (والد خالد) (المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام لجواد علي، ج-5، ص 605) في مجتمع قبلي لم تكن فيه لا دولة ولا سلطة قضائية ولا سجون، فكانت الأحكام تتخذ طابعا ماديا مباشرا. وكان حكم قطع يد السارق سُنّ في وقت قريب من الإسلام، فلما جاء الإسلام حافظ عليه (حتى وإن رفض مبتدعه الوليد بن المغيرة دخول الإسلام)، وهو ما لا ينزع عنه طابعه التاريخي، النسبي والانتقالي، لكن الفقهاء أصبغوه بصبغة إطلاقية، وجعلوه فوق التاريخ. ولئن تجاوزه عدد من البلدان الإسلامية التي أصبحت تطبّق قوانين وضعية فإن دولا أخرى ما تزال تطبّقه كما تطبّق عقوبات بدنية أخرى مثل الجلد والرجم. كما أن تيارات سلفية عديدة ضمنت برامجها تطبيق الحدود. وهي تدعو إلى التراجع عن القوانين الوضعية التي استبدلت عقوبة قطع يد السارق بعقوبة السجن، وهو ما يجعلها خارج التاريخ وضد التقدم الإنساني الذي أعطى للجسم حرمته وآمن بإمكانية الإصلاح، وتشوه صورة المسلم وتسهّل على القوى الامبريالية والاستعمارية تقديمه على أنه "متوحّش" و"متخلف".

إن التاريخ إذن يبقى هو المدخل للتنسيب، ولتيسير نشر الوعي في صفوف جماهير الشعب بشكل عام وجماهير النساء بشكل خاص حتى تتصدى للفكر الرجعي المتخلف الذي يتستر بالدين، ويصبح التقدم وبالتالي مبادئ الحرية والمساواة جزءا من هويتها الجديدة. إن المسألة ليست مسألة صراع بين "مؤمنين" و"ملحدين" وإنما هي بين قوى التقدم التي تريد للشعب التونسي ولنساء تونس الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية وقوى التخلف التي تشدهما إلى الوراء، عن طريق الاستغلال الفاحش والاستبداد السياسي والفكري والتبعية.

(4) العَلمانية، الهوية، والوطنية:
نقطتان أثيرتا في هذا المجال، الأولى تتمثل في ما يتردد على العديد من الألسن من أن التونسي أو التونسية، (المسلم/المسلمة)، في حاجة إلى الشعور بـ"الاطمئنان" بأنهما "يحافظان على إيمانهما" من جهة و"يواكبان عصرهما" من جهة ثانية، فلا "انفصام" عن ماضيهما من ناحية ولا عن حاضرهما من ناحية ثانية. وفي الواقع لا يوجد غير العلمانية لتوفر هذا التوازن. ذلك أن مأتى الاضطراب لدى البعض متأتّ من الخلط بين العقيدة من جهة والمسائل الاجتماعية والسياسية من جهة ثانية. فهذا الخلط يجعله يعتقد أنه إذا تخلى عن تعدد الزوجات أو قطْع يد السارق أو الرجم، تخلى عن إيمانه أو عن جزء منه. ولكنه في نفس الوقت يشعر بأنه إذا دافع عن هذه الأحكام فهو غير مواكب لعصره وما أثمره من رؤى وأحكام جديدة متقدمة وأكثر إنسانية. وقد عاش مثل هذا التمزّق مثقف كبير مثل قاسم أمين "رائد تحرير المرأة في مصر". فقد نشر في أواسط التسعينات من القرن التاسع عشر (1894) كتابا باللغة الفرنسية بعنوان "المصريون" ردّ فيه على مواقف احتقارية للفرنسي "دوق داركور" وقد وجد قاسم أمين نفسه يدافع بكل ضراوة عن "الحكمة" الموجودة في تعدد الزوجات وغير ذلك من الأحكام والتقاليد المحقّرة للنساء والتي ترسخت في عصور الانحطاط وأصبحت بمثابة "العقيدة الدينية" أو "الهوية". ولكن بعد سنوات قليلة، وبتشجيع على ما يبدو من مفتي الديار المصرية، الشيخ محمد عبدو، وجد قاسم أمين نفسه ينتقد بحماس كبير ما كان دافع عنه بالأمس لشعوره بأنه من غير المنطقي تبرير اضطهاد النساء وتحويله إلى هوية للمسلمين، وهو ما جعله في موقف هجومي حيال الكتّاب والمثقفين الغربيين الاستعماريين الذين يوظفون مظاهر التخلف في الحضارة العربية الإسلامية لتبرير استعمار العرب والمسلمين، بينما كان بالأمس في موقف دفاعي لا يحسد عليه!!

إن العلمانية هي الوسيلة الوحيدة في الحقيقة التي توفر للمسلم/المسلمة التوازن المطلوب أو المنشود، لأنها تمكنه من الفصل بين العقيدة والشريعة، بين ما هو دين/عقيدة/إيمان المُكتسى في ذهنه طابع المطلق وبين ما هو اجتماعي، سياسي، دنيوي، متغير باستمرار، خاضع لاجتهاد البشر، ولمصالحهم المتضاربة أيضا والتي تدفعهم إلى اتخاذ مواقف متباينة، متضاربة حول الموضوع نفسه. وبهذه الصورة، يُرضي المسلم/المسلمة ضميره من جهة ويعيش عصره، ويدافع عن مصالحه من جهة أخرى، وهذا لا يعني أنه لا يجوز له أن يستلهم مواقفه من هذه القضية أو تلك من قيمه الدينية، العامة، المهم أن لا يقع في الجمود ويحوّل بعض المنتجات التاريخية إلى عقيدة أو هوية، فيعرّف المسلم بأنه ذاك الذي "يؤمن" بأن المرأة "أداة للمتعة والإنجاب" وأنها "ناقصة عقل" و"شيطان رجيم" و"فتنة" و"مكانها الطبيعي هو البيت" ولا حقّ لها في المشاركة في الحياة العامة، ومن حق الرجل أن يؤدبها "ضربا" وهي كلها مواقف موجودة في النصوص الدينية والفقهية.

لقد انتبه إلى هذا الأمر منذ قرون عديدة، رجل دين، هو الإمام أبو إسحاق الشاطبي الأندلسي (720-790هـ) الذي جعل من المقاصد أساسا لفهم النص الديني مبعدا به عن "الحرفية والتجزيئية" وفاتحا بابا لإمكانية "التجديد". فما الذي يمنع اليوم المسلم/المسلمة من الاجتهاد وتخطي الجمود العقائدي وتبني الحل الذي لا يحكم عليه بالانغلاق ولا يبقيه في موقع دفاعي، يدافع عن أفكار وأحكام وممارسات تجاوزها الزمن ولا مصلحة إلا لرجال الدين المحافظين المرتبطين بمصالح الفئات الرجعية، الإقطاعية والبرجوازية الكمبرادورية، وبأنظمة الاستبداد، في استمرارها حتى يستمروا هم في السيطرة على عقول جماهير الشعب بغطاء الدين. إن هؤلاء، وغيرهم من أقطاب السلفية الرجعية، هم الذين يربكون المسلمين والمسلمات ويحجبون عنهم النور ويعزلونهم عن التقدم بإيهامهم بأنهم يستمدون "هويتهم" و"أخلاقهم" من اضطهاد النساء وبعض أحكام الشريعة كقطع يد السارق أو الرجم ويخيفونهم من العلمانية ويقدمونها إليهم على أنها "شر الشرور" والحال أنها مكسب إنساني!! إن المسلم في حاجة إلى "هوية جديدة" تحافظ على مقوماته الحضارية والثقافية وعلى ما فيها من إيجابيات وفي نفس الوقت تستوعب مكتسبات الإنسانية التقدمية التي من بينها المساواة بين الجنسين.

أما النقطة الثانية فتتمثل في الفكرة التي يروجها دعاة الدولة التيوقراطية والتي تزعم أن العلمانية تضعف الهوية الوطنية وتخدم الاستعمار وتساعده عل التغلغل في أقطارنا. وهذه الفكرة كغيرها من الأفكار التي تلصق الفساد الأخلاقي بالعلمانية لا أساس لها من الصحة وهي تهدف إلى إرباك المسلم/المسلمة ومغالطتهما وتشويه وعيهما. فإذا كان ثمة شيء يضعف الهوية الوطنية لشعب من الشعوب أو لأمّة من الأمم، فهو ليس العلمانية، وإنما هو الدولة الدينية لأنها تفرّق بين أبناء وبنات الوطن الواحد على أساس عقائدي، فعوض أن يشعر الفرد بانتمائه إلى الوطن، الذي يكسبه هويته، يشعر بانتمائه إلى دين أو مذهب في صلب نفس الديانة، يمنحه هويته ويحدد علاقته بالآخر، من أبناء/بنات وطنه حتى وإن كانوا ينتمون إلى نفس القومية أو الأمة، وهو ما يجرهم إلى التطاحن والكراهية. وليس أدلّ على هذا الأمر مما يجري في العراق. فالامبرياليون الأمريكيون والأنجليز سارعوا بعد احتلال العراق إلى تقسيمه إلى طوائف وبناء المؤسسات السياسة للحكم على أساس ذلك، وهو ما غذى الصراع بين الطوائف في المقام الأول بين العرب السنّة والعرب الشيعة. وكذلك الأمر في لبنان التي شهدت خلال السبعينات والثمانينات حربا طائفية ضروسا غذاها الكيان الصهيوني والقوى الامبريالية. وتوجد اليوم محاولات جادة لإشعال نار الفتنة الطائفية من جديد. وفي السودان كان إعلان قيام "الدولة الإسلامية" وتطبيق الشريعة في عهد حكم "النميري-الترابي" ثم في عهد حكم "البشير-الترابي"، عاملا أساسيا من العوامل التي غذت التمرد المسيحي في الجنوب. وها أن حسن الترابي زعيم "الجبهة الإسلامية القومية" يعترف الآن بخطأ ما كان دعا إليه بالأمس ويقر بالفساد الذي كان سائدا في "الدولة الإسلامية" والذي كان كوادر حزبه طرفا أساسيا فيه.

إن العلمانية وهي النظام الذي يؤمن حرية الضمير والعقيدة للجميع ويؤسس العلاقة بين أبناء الوطن الواحد، نساء ورجالا، على مبدأ المواطنة الذي يعني المساواة في الحقوق بقطع النظر عن الدين أو المذهب هي الكفيلة وحدها، كما أوضح ذلك حزب العمال منذ سنوات ("الحد الأدنى الدّيمقراطي لتحالفنا اليوم و غدا" – أفريل 2001)المساعدة على بلورة وعي وطني يتجاوز تلك الانتماءات وتقوم عليه وحدة وطنية صمّاء في مواجهة الأخطار الأجنبية الموجودة فعلا أو المحتملة.

وعلى هذا الأساس فنحن لا نفصل بين العلمانية والوطنية، بل نرى فيهما وحدة لا تنفصم، نرى في العلمانية جزءا لا يتجزأ من مشروع النهضة الوطنية وبرنامجها المناهض للامبريالية والاستعمار الأجنبي الذي يستخدم الصراع الطائفي أو القومي أو الثقافي لضرب الوحدة الوطنية وتفتيت أبناء البلد الواحد ليسهل عليه إخضاعهم والسيطرة عليهم. وهذا الموقف الذي ندافع عنه هو الموقف الملائم لمصالح الشعوب التي تريد التخلص من التبعية والاستغلال الفاحش والاستبداد السياسي والإيديولوجي وتحقيق تحررها التام وإقامة الديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

بالطبع يوجد من يطرح العلمانية من موقع التبعية للغرب الامبريالي، أي من موقع ازدراء هويته الوطنية وتمجيد "هوية" الغزاة بعنوان الدفاع عن "الحداثة" و"التقدم" و"الكونية"universalisme . والذنب هنا ليس ذنب العلمانية، بل ذنب الذين يستعملونها غطاء لإخفاء معاداتهم لأوطانهم وتبعيتهم، تماما مثلما تستخدم قوى سياسية أخرى الدين غطاء لإخفاء عمالتها. ففي العراق تستند الامبريالية الأمريكية اليوم على أحزاب دينية، شيعية وسنية لتكريس الاحتلال ونهب خيرات البلاد وثرواتها وتفتيت وحدتها وتقتيل أبنائها. كما تستند في المنطقة على أنظمة دينية تعلن نفسها "حامية الإسلام" ونقصد هنا بالخصوص النظام السعودي.

إن أي تقدمي لا يمكن له إلا أن يسعى إلى تحديث بلاده حتى تخرج من التخلف الذي هي فيه. ولكن عليه أن يدرك أنه لا حداثة خارج الهوية الثقافية والحضارية الخاصة أي خارج تطوير العناصر الثقافية والحضارية التقدمية الخاصة حتى تصبح الحداثة نبتة وطنية، صلبة، قادرة على البقاء والدوام. ومن البديهي أن يستلهم المرء في تحديث بلاده من مكتسبات الإنسانية، ولكن دون التخلي عن هويته، بل عليه أن يصارع "العولمة الامبريالية" التي تعمل على تدمير هويات الشعوب والأمم الأخرى لتفرض عليها هويتها هي، أكلا ولباسا وسلوكا وذوقا ولغة وفنا... لتقطع كل رابط بينها وتسيطر عليها.

إن كونية العمال والشعوب، كونية الإنسانية التقدمية، تقوم على احترام هوية كل شعب وكل أمة، وعلى الإيمان بأن كل شعب وكل أمة لها إسهامها في الإرث الإنساني، من خلال إبداعاتها الخاصة، التي تلتقي مع إبداعات الآخرين في الدفاع عن تحرير الإنسان من كل استلاب اقتصادي واجتماعي وسياسي وإيديولوجي. وهذه العملية لم تبدأ اليوم بل بدأت منذ فجر الإنسانية، وهي في كل مرة تخطو خطوة إلى الأمام، في خضم من الدماء والدموع، ضد أعداء الإنسانية من الطبقات والفئات المستغِلّة. ومن المؤكد أن هوية إنسانية مشتركة ستنشأ في يوم من الأيام، ولو في مستقبل بعيد، ولكنها لن ترى النور إلا بعد تجاوز التضادات الطبقية والعرقية والقومية والدينية والجنسية وتصبح مجرد ذكرى من ذكريات "العصور الوحشية للإنسان". وهذه الهوية الإنسانية المشتركة ستنشأ من الهويات المختلفة، ولا يمكن الجزم أنها ستلغي التنوع والاختلاف، ولكن يمكن الجزم فقط، أن الإنسانية ستتجمّع حول قيم المساواة والعدالة الاجتماعية والحرية التي ستتحول إلى جزء من "طبيعتها".

حمّه الهمّامي، ماي 2007




مسألة الحجاب/الخمار والعلمانية


وردت في "إعلان هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات حول حقوق المرأة والمساواة بين الجنسين"، الصادر بمناسبة 8 مارس 2007، نقطة تتعلق بمسألة الحجاب/الخمار. وقد جاء فيها ما يلي: "إن هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات تطالب بإلغاء المنشور عدد 108 بوصفه إجراءا تعسفيا يعرّض النساء المتحجّبات إلى التسلط والحرمان من الحقوق". كما تطالب بـ"اعتبار مسألة الحجاب قضية تتعلق بالحرية الذاتية لا يحق لأي كان التدخل فيها بالمنع أو الإلزام عن طريق الإكراه". وكما هو واضح فإنّ هذا الموقف السياسي متوازن وسليم. فهو لا يكتفي بإدانة القمع البوليسي والإداري الذي يسلطه النظام القائم على المتحجّبات في تونس والذي يتخذ في بعض الفترات، كما حصل في رمضان السنة الماضية (سبتمبر-أكتوبر 2006)، شَكـْلَ حملة عامة، منظمة وعنيفة في كافة أنحاء البلاد، طالت المتحجّبات في الشارع وفي مراكز العمل والدراسة على حدّ السواء، بل إنه يدين أيضا كل محاولة لفرض الحجاب/الخمار على الفتيات والنساء عن طريق الإكراه المادي أو المعنوي، داخل العائلة أو المجتمع، بدعوى أنه "فريضة دينية". و هذا هو معنى أن يكون اللباس، سواء تعلق الأمر بالحجاب/الخمار أو بغيره من الألبسة، جزءا من الحرية الذاتية، فلا إكراه في هذا الاتجاه أو ذاك.

عَلمانيون يعترضون

اعتبر جزء من العلمانيين هذا الموقف الوارد في "الإعلان" موقفا "لا مبدئيا" وانتقدوا الأطراف اليسارية والتقدمية التي وقّعته واتهموها باللهث وراء "تحالف" أو "وحدة عمل" مع الحركة الإسلامية على حساب قضية النساء التونسيات وطموحهن إلى التحرر. وفي الواقع فإن أصحاب هذا الموقف يرفضون إدراج الحجاب/الخمار في بوتقة "الحرية الذاتية"، فما دام هذا اللباس يرمز إلى مشروع قائم على اضطهاد المرأة وامتهانها واستنقاصها واستعبادها فإن اعتبار ارتدائه جزءا من الحرية الذاتية، يعني في نظرهم تشريع دونية المرأة، وفي أحسن الحالات دفاعا عن "حرية الاستعباد" (la servitude volontaire). ولا يتوانَون عن مقارنة من يساند متحجّبة ضد القمع المسلط عليها لنزع خمارها أو حجابها بمن يساند شخصا في "حقه" في أن يكون عبدا لغيره أو في "حريته" في أن ينتحر أو "يتجوّل عاريا في المدينة" [1].

ولا يخفي أصحاب هذا الموقف مناصرتهم لمنع ارتداء الحجاب/الخمار، لا تشريعه أو التسامح معه أو الدفاع عن النساء اللواتي يرتدينه في مواجهة القمع المسلط عليهن. وهم لا يترددون في تبرير حملات السلطة على المتحجّبات في مراكز العمل والدراسة بدعوى أنه "من واجب الدولة الدفاع عن طابعها العلماني ضد محاولات المساس به"، ولا يعترضون إلا على الطابع الزجري للحملة التي طالت النساء المتحجّبات في الطريق العام لما في ذلك من "تصادم مع المجتمع" وتجاوز الدولة لمجال تدخلها إذ أنها مطالبة، حسب رأيهم، بتطبيق القانون في مجال "اختصاصها"، وهو المؤسسة التعليمية العمومية والإدارة، وترك التدخل في "الفضاء المجتمعي" الذي يشمل "الطريق العام" لـ"المجتمع المدني والسياسي" كي يفعل فعله عن طريق "الإقناع والشرح والتوضيح". (انظر الكراس المذكور).

وفي هذا السياق، يعبّر هؤلاء الجماعة عن تأييدهم المنشور 108 الذي يمنع ارتداء الخمار في المدارس، إذ لا يرون فيه تعديّا على الحريات الفردية وحقوق الإنسان بل يعتبرونه إجراءًا مشروعا "من زاوية الدفاع عن لائكية الدولة وعلمانيتها"، كما أنهم يعتبرونه "من صميم الديمقراطية"، لأن "مزيّته أنه وقف ضد محاولة جرّ المؤسسة التعليمية العمومية إلى مجال العقائد ودافع عن طابعها العلماني". و هم لا يتوقفون عند هذا الحد، بل إنهم يطالبون بأن "يوجد قانون يمنع مظاهر التدين (أي الخمار – من عندنا) في مؤسسات الدولة، دفاعا عن علمانيتها وعن حيادها تجاه المعتقد..، ويتهمون الذين يطالبون بإلغاء المنشور 108 باسم الدفاع عن حرية اللباس والعقيدة بأنهم يعملون "من أجل إزاحة الجوانب العلمانية في الدولة وإضفاء الصبغة الدينية عليها"، معتبرين أن "من واجب الديمقراطيين واليساريين الدفاع عن علمانية الدولة و لائكيتها" (أي الدفاع عن نظام بن علي العلماني الديمقراطي!).

وما من شك في أن هؤلاء الذين ينصّبون أنفسهم متكلمين باسم العلمانية يرتكبون خطأ جسيما يكمن في الخلط بين مستويين مختلفين في التعاطي مع مسألة الحجاب/الخمار (ومع كل مسألة تتخذ شكلا عقديا بصورة عامة). المستوى الأول يهمّ الموقف الفكري العام من الحجاب/الخمار. والمستوى الثاني يهمّ كيفية التعاطي السياسي معه، وبالتالي كيفية معاملة النساء اللواتي ترتدينه. وهُمْ بذلك يروّجون مفهوما خاطئا عن العلمانية التي يحولونها إلى رديف للقمع وعدم التسامح ويجدون أنفسهم، عن وعي أو غير وعي، متواطئين مع الدكتاتورية الدستورية النوفمبرية التي يلبسونها لبوسا علمانيا، لائكيا، ويضفون على ممارساتها القمعية طابعا تقدميا، ديمقراطيا، مشوهين بذلك العلمانيين، وموفـّرين الفرصة لخصومهم كي يقدموهم إلى الرأي العام بمظهر سلبي.

تاريخية الحجاب

إننا لا نناقش كون الحجاب/ الخمار، ليس كما يزعم السلفيون بمختلف ألوانهم وتشكيلاتهم، لباسا أو "زيا إسلاميا" بمعنى أن الإسلام هو الذي ابتدعه وشرّعه، ولكنه لباس سابق للإسلام، سواء عند العرب أو عند اليهود والنصارى أو عند اليونانيين الوثنيين (القرن الخامس قبل الميلاد) أو عند المصريين (القرن الثالث قبل الميلاد) أو عند الآشوريين (القرن الثاني عشر قبل الميلاد) أو عند الفرس (التشادور) أو عند الهنود إلخ... ومهما تعددت أشكال هذا الخمار عند هؤلاء الأقوام على اختلاف أجناسهم ودياناتهم وثقافاتهم وحضاراتهم والحقب التاريخية التي عاشوا فيها، فإن فرض لباسه على النساء ارتبط عندهم جميعا بنظرة رجعية تعتبر المرأة أو بالأحرى جسدها أو أجزاء منه كالشعر، "عورة" أو "مصدر إثارة لغرائز الرجل" أو سببا لارتكاب "الخطيئة" أو "أداة متعة للرجل" أو "ملكا" له، لذلك لا بد من "ستر" ذلك الجسد أو هذا الجزء أو ذاك منه وإن لزم الأمر حجب المرأة بالكامل عن العيون.

ولمّا جاء الإسلام في مطلع القرن السابع ميلاديا، لم يكن ليخرج عن سياق التاريخ أو يتعالى عنه، بل إنه كان في صلبه ومن صلبه. فلم يتجاوز نظرة عصره وبيئته للمرأة إلا في حدود جزئية، بل في حدود ما كانت تسمح به درجة التطور الاجتماعي والثقافي والحضاري. ولكنه حافظ على جوهر النظرة الأبوية/الذكورية التي تعتبر المرأة في مرتبة دون مرتبة الرجل في كافة مجالات الحياة الاجتماعية. وقد تولى الفقهاء الذين ارتبطوا دائما بالسلطة الحاكمة وبالطبقات الاستغلالية السائدة، تقنين تلك النظرة في سلسلة من الأحكام أخطر ما فيها أنها تضفي طابعا قدسيا على دونية المرأة وعلى تبعيتها للرجل و"سيادته" على جسدها لحملها على قبول هذا الوضع المُملى من "السماء" حسب زعمهم، والذي يُعاد إنتاجه باستمرار بنفس الغلاف الديني، واتهام كل من يطرحه محل سؤال بالكفر و"الزّيغ" عن مبادئ الإسلام أو تحريفها. و قد شمل ذلك التقديس الحجاب/الخمار الذي قُدم على أنه "فريضة" لا يكتمل "إيمان المرأة" إلا بارتدائه.

إن الحجاب/الخمار جاء مظروفا في القرآن وخاليا من كل بعد روحاني، أو عقدي أو تشريعي. كما أن القرآن لم يحدّد له شكلا معينا. وقد خُصّت به في البداية "زوجات النبي" (سورة الأحزاب آية 53) وكان يعني فصلهن عن الرجال بستار، ثم شمل في مرحلة ثانية نساء المؤمنين، ولم يرد هنا بالمعنى الأول بل بمعنى الجلباب (سورة الأحزاب، آية 59) وهو لباس متداول على ما يبدو، يُغطّي كامل الجسم ويستر المرأة التي تقضي حاجتها في العراء، وأُريد منه أن يكون علامة لتمييز "المؤمنات" و"الأحرار"، حتى أن لباسه منع عن الإماء والبغايا. وفي آية ثالثة تمّت الإشارة إلى الخمار (سورة النور، الآيتان 31و32) وهو في هذه الحالة عبارة عن منديل يُغـَطـّي فتحة الصدر.

ولكن الفقهاء هم الذين جعلوا من الحجاب/الخمار "زيّا إسلاميا". وبما أن معظم مفسري القرآن كانوا من الفرس فقد أعطوه شكل "التشادور" المتسم بالصرامة. و شيئا فشيئا تحول الحجاب من لباس لتغطية الجسم/العورة أو لـ"الحشمة" إلى حَجْب النساء في البيت، خصوصا في المراكز الحضرية. ووصل الأمر إلى حد اعتبار نظراتهن وأصواتهن "عورة"، واتسع زنا المرأة ليشمل حواسّها فأصبح الزنا، زنا بالعين والصوت والأذن، علاوة على الزنا باللمس، فتم تطويق النساء من كل الجوانب تطويقا ماديا ومعنويا.

و من الملاحظ أن الخمار لم يلبسه كل النساء. فالنساء خارج المدن بقين في الغالب سافرات. كما أن اللواتي لبسنه لم يفعلن ذلك حسب زي منمّط في كافة البلدان والأمصار. فالخمار اتخذ أشكالا عدة وفقا للتقاليد الخاصة بكل بلد ولمناخاته وعاداته الثقافية والاجتماعية. و لمّا فتحت البلدان العربية والإسلامية عيونها على العصر نتيجة الصدمة الاستعمارية، ووقفت على مدى تخلفها الحضاري مقارنة بتقدم البلدان الأوروبية وشعرت بالخطر الذي يتهددها إن استمرت على ما هي عليه، سعت إلى تدارك أمرها. وكانت المناداة بتحرير النساء من العبودية وإخراجهن من ظلمات عصور الانحطاط أحد أهم عناصر "الإصلاح الاجتماعي" الذي طالب به المثقفون المستنيرون. و في هذا الإطار حصلت معركة السفور والحجاب في أكثر من قطر عربي وإسلامي بما فيها تونس في مطلع القرن العشرين. وكان دعاة تقدم "الأمة" يدافعون عن خروج المرأة من البيت والتحاقها بالمدرسة ومساهمتها في الحياة العامة، بينما كان دعاة الحفاظ على الماضي بنظامه الاجتماعي والسياسي المتخلف وقيمه الإقطاعية البالية التي "تُبلـّس المرأة"، يدافعون عن مواصلة حجب النساء ويدعون عموم الناس، مستغلين جهلهم ومشاعرهم الدينية، إلى "التعبئة" ضد "الكفرة والملحدين" الذين ينادون بـ"تحرير النساء".

ولكن هذه الدعوات لم تمنع النساء، في تونس وفي عدد من المجتمعات العربية والإسلامية، من تحقيق مكاسب وقطع خطوات نحو تحررهن. و قد شمل هذا التحرر لباسهن الذي خرج من دائرة "المقدس" أي من دائرة "الحلال والحرام" و"تـَعَلـْمَنَ" ضمن العلمنة الجزئية التي شملت المجتمع، وأصبح خاضعا لاعتبارات أخرى غير الاعتبارات الفقهية التقليدية (الذوق، الموضة...). وظل الوضع على هذه الحال إلى أن دخلت الأنظمة الاستبدادية التي خلفت المستعمر في الحكم في أزمة خانقة اقتصادية واجتماعية سياسية وثقافية وقيَميّة. وهو ما أدّى، في غياب بدائل تقدمية، وفي إطار هجمة خارجية امبريالية شرسة، واتساع نفوذ مراكز الرجعية العربية الكبرى ومنها السعودية وتوابعها الخليجية التي تصرف أموالا طائلة وتجند فضائيات كثيرة لنشر الدعوات السلفية، إلى عودة الظاهرة الدينية بمعناها الشامل إلى البروز في شكل أحزاب وتيارات سياسية ومراكز ثقافية سلفية، ولكن أيضا في شكل طرق تنشر الشعوذة والخرافة. و قد ركزت هذه الأحزاب والتيارات و الطرق دعايتها في اتجاه النساء لموقعهن الحساس داخل العائلة ودورهن الممكن أو المفترض في الحفاظ على العادات والتقاليد وبالتالي على العائلة التقليدية.

أزمة مجتمعات "الاستقلالات" وعودة الحجاب/الخمار

وفي هذا المناخ العام عاد الحجاب/الخمار الذي ظُنّ أنه اندثر إلى الأبد، إلى البروز في المجتمعات العربية "المُعلمنة" نسبيا بما فيها المجتمع التونسي، وفي صفوف الجاليات العربية والإسلامية التي تعيش في البلدان البرجوازية الغربية، علاوة على وجوده في البلدان ذات الأنظمة الإسلامية التي يُفرض فيها لباس الخمار بحكم القانون (إيران، السعودية...). و لكن الخمار "الحديث" يختلف عن الخمار التقليدي متعدد الأشكال فهو خمار نمطي على العموم، خاضع لعدد من الشروط (تغطية الرأس والجسد بالكامل عدا الوجه واليدين ابتداء من المعصمين) التي وضعتها التيارات الإسلامية السلفية. ويتعايش هذا النمط من الخمار مع أنماط أخرى مثل "النقاب" أو "البرقع" أو"التشادور" الإيراني وغيره. وهي تمثل مجالا لبروز الفوارق الطبقية والاجتماعية فالخمار أخْمرة والنقاب نـُقـُبٌ، والتشادور "تشادورات"، فيها ما هو خاص بالثـّرِيـّات وفيها ما هو خاص بالفقيرات، وفتيات ونساء الفئات الوسطى، وهي أحيانا موحدة اللون وأحيانا أخرى ملونة بألوان زاهية وهي تـُلبس مع ألبسة فضفاضة أو مضبوطة على الجسم (سروال الدجينز إلخ...)، فهي أقرب إلى الموضة منها إلى أي شيء آخر.

وكما تتعدّد أشكال الخمار، تتعدد أيضا بواعث ارتدائه فهي دينية أحيانا إذ يعتبر جزء من النساء أنه جزء من ديانتهم، بل فريضة "

_________________
farouq734361335@gmail.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
فاروق السامعي

avatar

ذكر عدد المساهمات : 173
تاريخ التسجيل : 14/08/2010

مُساهمةموضوع: رد: مطارحات حول قضيّة المرأة   26/12/10, 04:20 pm

استلاب الحجاب لا يبرّر قمع المتحجبات

ولكن أن يكون ذلك هو المغزى الموضوعي للحجاب، فهو لا يمثل مبرّرا لمنع الفتيات والنساء من ارتدائه وإكراههن على نزعه أو حرمانهن، في صورة تشبثهن به، من حقوقهن الأساسية كالذهاب إلى المدرسة أو الجامعة أو إلى مراكز العمل من إدارة ومؤسسات عمومية. إن هذا الموقف القسري، التعسفي، يتعارض مع المبدأ العلماني القاضي باحترام حرية العقيدة. فمهما كان الحجاب/الخمار مهينا من الناحية الموضوعية للمرأة، فإنه توجد من المتحجّبات من تعتقد أنه "فريضة" و"جزء من العقيدة". كما أن من بينهن من ترى فيه "جزءا من شخصيتها الإسلامية". وهذا الموقف الشخصي لا يمكن معالجته بالقمع، إذ لا يجوز قمع النساء المتحجّبات بدعوى أن ذلك من "مصلحتهن" وفيه "دفاع عن تحررهن" ويهدف إلى "إنقاذهن من الاستعباد الذاتي" أو من "استعباد الرجل والمجتمع".

إن القمع لم يكن في يوم من الأيام وسيلة لتحرير الإنسان من الأوهام الدينية أو من الخرافات والأساطير التي تتخذ طابعا عقديا. لأن القناعات سواء كانت دينية أو إيديولوجية لا تتغير إلا بالنقاش والإقناع، بل لا تتغير إلا إذا توفرت الأرضية الاجتماعية والثقافية المناسبة التي تجعل المعنيات أو المعنيين يقتنعون بأن القناعات الجديدة تمكنهم من تحقيق ذواتهم. والمرأة التي تلبس اليوم الحجاب/الخمار يمكن أن تتخلى عنه غدا إذا اقتنعت بأنه لا يلائمها وأنه مناف لحريتها وتحررها. أما القمع فيولـّد الخوف، ولا يخلق قناعات جديدة، بل على العكس من ذلك، يعمّق العقائد والقناعات القديمة التي تبقى تنتظر الفرصة المناسبة للتعبير عن نفسها بشكل مكثف أكثر من ذي قبل.

وليس أدلّ على ذلك من الواقع في تونس. فمنذ أواسط الثمانينات ونظام الحكم يشن الحملة تلو الحملة على المتحجّبات، ومع ذلك فإن عددهن لم يقل، بل أكدت التجربة أنه ما أن يتراجع القمع حتى تعود الظاهرة إلى البروز. و إذا كانت في وقت من الأوقات لا تستقطب سوى أتباع التيار الإسلامي، فإنها منذ وقت معيّن تجاوزت هذا المدى لتشمل العديد من الفتيات والنساء اللواتي لا علاقة لهن بهذا التيار. وهكذا أصبح لباس الخمار ظاهرة اجتماعية وثقافية.

ولابد من الإشارة إلى أن مقاومة السلطة للخمار لا تنطلق من نظرة تُدافع عن حرية النساء وحقوقهن ولكنها تكرّس صراعا مع خصم سياسي يهدّد هيمنتها على الحياة العامة والمجتمع، ناهيك أن بن علي لا يرفض الحجاب بشكل عام ولكنه يرفض شكله المرتبط بالتيار الإسلامي. ولم يتردد في أكثر من مناسبة إلى الدعوة إلى العودة إلى أشكال الحجاب الأخرى كـ "السفساري" و"البخنوق" الخ... هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن السلطة لم تتوان عن منع مناقشة الظاهرة في الفضاءات العمومية وفي وسائل الإعلام بمشاركة الأحزاب والجمعيات والمنظمات المهنية والثقافية وخاصة منها المنظمات النسائية، والسبب في ذلك أن ما يهمّها أوّلا وقبل كل شيء هو مواصلة احتكار الحياة العامة وسدّ الباب أمام أي إمكانية للنقاش الحر.

إنّ مقارنة الدفاع عن الحجاب/الخمار كجزء من الحرية الذاتية بالدفاع عن العبودية أو "الانتحار" لتبرير منعه، هو من قبيل المقارنات الخرقاء. فلباس الخمار، طالما أنه اختيار شخصي، يمثل سلوكا فرديا، لا يحتمل الاعتداء على أي شخص آخر. في حين أن الاستعباد يمثل جريمة على حساب شخص آخر لما يُلحقه به من أذى مادي ومعنوي ويكرهه عليه من خضوع ويحرمه من التمتع بالحقوق، وفي حالة كهذه ينبغي أن يتدخل القانون لمنع الاستعباد منعا تاما، سواء كان ذلك في الفضاء الخاص أو في الفضاء العام. ولو كان لباس الخمار كالاستعباد، فلماذا يطالب أصحاب هذه المواقف بتحريمه في الفضاءات العمومية فحسب؟ هل يعقل أن تُحرَّم جريمة ما في فضاء معيّن وتباح في فضاء آخر؟ أليست الجريمة جريمة مهما كان المكان الذي تُرتكب فيه؟ وكذلك الأمر بالنسبة إلى الانتحار، فالتشجيع عليه جريمة مهما كان المكان، وهو جريمة لأن فيه ضررا لا رجعة فيه لشخص آخر. بينما الأمر يختلف بالنسبة إلى الخمار كما قلنا، فمتحجبة اليوم يمكن أن تكون سافرة الغد. و هو ما نلحظه في محيطنا، إذ أن العديد من الفتيات نزعن خُمُرهن بعد ارتدائها مدة معينة نتيجة تحوّل في قناعاتهن.

ومن نافل القول إن لباس الحجاب/الخمار يكفّ عن أن يكون حرية شخصية إذا كان ناجما عن إكراه، لأن الإكراه يمثل اعتداءً على تلك الحرية. وإذا كان للقانون أن يتدخل، في نظام ديمقراطي تُضمن فيه الحريات الفردية، ففي هذا المستوى، وذلك لمنع الإكراه وتجريمه ومعاقبة مرتكبيه صيانة للحرية الشخصية. وفي مناخ كهذا فقط، يمكن أن تتوفر للفتيات والنساء إمكانية اختيار لباسهن بحرية، وفقا لقناعاتهن الشخصية وهن يعرفن أنه بإمكانهن اللجوء إلى القانون إذا حاول طرف ما إرغامهن على ارتداء هذا اللباس أو ذاك.

أما على المستوى الفكري فالأمر يختلف. إن الديمقراطي، التقدمي، المتماسك فكرا وممارسة، الذي يتصدّى سياسيا لقمع المتحجّبات ويندد به ويدافع عن حريتهن الشخصية، طالما أنهن يعتبرن ارتداء الخمار قناعة أو "عقيدة"، إن هذا الديمقراطي من حقه، بل من واجبه أن يخوض معركة مبدئية وعميقة ضد هذا اللباس لإبراز المضامين الرجعية للمنظومة القيميّة و الاجتماعية التي يندرج ضمنها و التي تستنقص المرأة. وهذه المعركة ينبغي له أن يخوضها بأسلحة فكرية وفكرية فقط، بعيدا عن كل إرهاب إيديولوجي، لأن العلمانية، كما بيّنا، فضاء للمساعدة على الحوار/النقاش الحر والديمقراطي.

هل المنشور 108 من "صميم العلمانية والديمقراطية"؟

بودّنا هنا أن نتطرق إلى موضوع المنشور 108 الذي يمنع لباس الخمار في المؤسسة التعليمية والذي رأى فيه صاحب الكراس إجراء من صميم الديمقراطية بدعوى أنه يدافع عن العلمانية. وقبل الخوض في لبّ الموضوع لا بد من الإشارة إلى أن هذا المنشور لا يمكن أن يكون حتى في شكله من صميم الديمقراطية لأن الحياة العامة لا تـُنـَظـّمُ بمناشير صادرة عن هذا الوزير أو ذاك بل بقوانين صادرة بعد نقاش وغير منافية للدستور وتأتي المناشير بعد ذلك لتيسير التنفيذ ليس إلاّ. أمّا واقع الحال هنا فإنه يتعلق بمنشور متـّصل بوجه من أوجه الحياة العامة الذي يثير إشكالات جدّيّة تمَسّ مسألة الحرية الشخصية، وقد صدر دون أن يحظى بنقاش حتى داخل البرلمان الصوري التونسي. وهو ما يؤكد طابعه التعسفي والتسلطي حتى من الناحية الشكلية.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى فما معنى أن تكون المؤسسة التعليمية علمانية؟ و هل أن منع التلميذات من لباس الخمار هو أحد مظاهر تلك العلمانية؟ لا نعتقد ذلك، لأن التلاميذ مهما كانت قناعاتهم الفكرية والدينية من حقهم أن يؤمّوا المدرسة أو الجامعة وليسوا مطالبين بأن يكونوا علمانيين أو متدينين أو يساريين أو قوميين... والخمار، إذا كان ناجما عن قناعة أو عقيدة فمن حق التلميذة لباسه. وليس التلميذ(ة) والطالب(ة) مطالبا بأكثر من احترام الدرس وعدم التحريض على مدرِّسه أو ترهيب زملائه وزميلاته واستفزازهم والاعتداء على كرامتهم لأسباب عقائدية أو أتنية أو ثقافية.

إن المؤسسة التعليمية هي المطالبة، في نظام ديمقراطي، عصري، بأن تكون علمانية وهذه العلمانية تهم إطار التدريس الذي عليه أن يقوم بالدرس دون استفزاز لعقيدة أو عقائد تلاميذه، كما تهم البرامج الدراسية التي ينبغي أن تنبني على حرية البحث والمعرفة وعدم إخضاعها لأي قيد لأسباب عقدية، ولا ينبغي أن يفهم من ذلك عدم تدريس الأديان مثلا، فهذا المفهوم ليس علمانيا بالضرورة أو لا يمكن حصر العلمانية فيه، إذ أن تدريس الأديان دراسة تاريخية، موضوعية، هو من صميم العلمانية، وبإمكان هذا النوع من التدريس تنسيب الأمور ونشر ثقافة التسامح، بل الاحترام بين أصحاب الأديان والعقائد المختلفة، وحتى غير المؤمن لأسباب فلسفية، فلا تضيره دراسة الأديان بهذه الطريقة لأنها تندرج ضمن المعرفة. وأخيرا، فإن الفضاء المدرسي ينبغي أن يبقى فضاءً للعلم والمعرفة ولا ينبغي بأي شكل من الأشكال أن يوظَّف لأغراض دينية تخل بوظيفته هذه.

هذا من جهة. ومن جهة أخرى، فإن منع الفتاة من الذهاب إلى المدرسة بسبب ارتدائها الحجاب/الخمار لا يخدم مصلحتها ولا يساعدها على الإنعتاق في شيء، لأن هذا المنع سيعيدها إلى البيت لتعيش بين أربعة جدران حيث تكون عرضة لشتى الضغوط من أفراد العائلة، الذكور منهم خاصة. وفي المقابل فإن بقاءها بالمدرسة أو الجامعة يفسح لها المجال كي تنمّي قدراتها على التفكير والتمييز والنقد وهو ما يساعدها على تكوين شخصيتها وتصليبها ويخلق لديها القدرة على التمرد على أغلالها. هذا هو المناخ السليم الذي ينبغي توفيره للفتاة المتحجبة سواء عن قناعة شخصية أو مكرهة، كي تتفتق طاقاتها. أما أن تـُعتبر هذه الفتاة ضحية (للأب أو الأخ أو العم أو الخال أو..) وتـُعاقَب في نفس الوقت بالطرد من المدرسة أو الجامعة بدعوى مساعدتها على تحرير نفسها، فذلك ما لا يقبله عقل، بل ذلك ما لا علاقة له بالعلمانية التي هي رديف الحرية. (انظر حول هذه القضية السجال الذي دار في فرنسا بمناسبة ما سمي بـ"قضية الخمار" سنة 2003. ومن بين المنشورات المهمة في هذا الصدد كتاب: Le Foulard Islamique En Questions- مجموعة نصوص صادرة عن دار أمستردام للنشر – باريس 2004).

أزمة المؤسّسة التعليمية ليس سببها الخمار

وفوق ذلك كله، فهل أن المؤسسة التعليمية في تونس ليس لها من خطر تواجهه إلا لباس الخمار؟ لا بالطبع. إننا نعتقد أن الضجيج الذي أُقيم حول هذه المسألة وأن القمع الذي سُلط على المتحجّبات ليس سوى وسيلة لطمس المشاكل الحقيقية التي تتخبط فيها هذه المؤسسة (وتتخبط فيها البلاد بأكملها) و عجز نظام الحكم عن إيجاد الحلول لها بل إمعانه في مفاقمتها.

إن نظام بن علي خرّب المؤسسة التعليمية في بلادنا. فقد أخضعها بالكامل لمشاريع الدول والمؤسسات المالية الأجنبية التي فرضت خوصصتها وحولتها إلى خادم لمصالح الرأسمال المتقلبة، ونزعت عنها دورها الاستراتيجي في تطوير المعارف والعلوم والحفاظ على الهوية الوطنية وإثرائها والمساهمة في النهوض بالمجتمع والبلاد. كما أنه أفرغ البرامج الدراسية في كافة المستويات مما ينمي الروح النقدية لدى المتعلم وحرم التلميذ والطالب من حرية الرأي والتعبير وأخضع المؤسسات التعليمية للمراقبة المباشرة للبوليس السياسي وضرب الحريات الأكاديمية في العمق وحوّل الأساتذة والباحثين إلى مجرد ملقنين، ومنع البارزين منهم المتشبثين باستقلالهم من مواصلة التدريس والبحث بالجامعة حال بلوغهم سن التقاعد (60 سنة).

ألم يكن أحرى بأصحاب هذه المواقف أن يجعلوا هذه المسألة على رأس اهتماماتهم، لو كانوا حقّا غيورين على المؤسسة التعليمية وعلى دورها التنويري؟ أليس ما تتعرض له من سياسات بن علي هو أخطر بكثير من ارتداء جزء من التلميذات الخمار؟ وإلى ذلك فإن كانوا حقـّا غيورين على المكتسبات العلمانية للمجتمع التونسي، أليس أحرى بهم، عوض المطالبة بقانون جديد لقمع المحجّبات العاملات في الإدارات العمومية، التركيز على مقاومة الاستغلال الفاحش والفساد المستشري والاستبداد والنهب الامبريالي للبلاد والتصحّر الثقافي وما تُولّده كل هذه المظاهر من فقر وإملاق وتجهيل وشعور بالمهانة في صفوف الطبقات والفئات الفقيرة وهو ما يدفع بأقسام منها إلى البحث عن الخلاص في العودة إلى الماضي. أليس الخطر الحقيقي على المكاسب العلمانية يجد قاعدته في هذا الواقع المزري؟ أليس اللجوء إلى القمع في معالجة ظاهرة الحجاب (والظاهرة السلفية بشكل عام) وسيلة لطمس هذا الواقع ومسؤولية نظام الحكم فيه؟

إن المراهنة على النظام القائم للدفاع عن مكاسب المجتمع العلمانية وتطويرها وصيانتها هي مراهنة خاسرة مسبقا لأن الدكتاتورية تعرض المكاسب للتدمير والتلاشي وتجرد المجتمع من وسائل الدفاع عن نفسه. وليس أدل على ذلك من توظيف نظام بن علي للدين لتشريع استبداده و تشجيعه الزوايا والكتاتيب وبعث "فرق الدعوة والتبليغ" المرتبطة مباشرة بوزارة الداخلية وإطلاق العنان للشعوذة والمشعوذين وإنشاء إذاعة "الزيتونة" لإظهار العائلة الحاكمة بمظهر الراعية للدين وتغطية ضلوع أفرادها في الفساد الاقتصادي والمالي. كل ذلك في الوقت الذي يُحاصَر فيه أصحاب الرأي الحر والمثقفون والمبدعون الجادون الذين يرفضون بيع ذمتهم.

إن مطالبة اليساريين والتقدميين بمساندة بن علي في منع الخمار وقمع المتحجّبات بدعوى الحفاظ على المكتسبات العلمانية إنما هو محاولة لتحويل اليسار إلى مجرد ذيل للدكتاتورية ومسوغ لقمعها وعسفها. وهو ما يعرض مستقبل العلمانية ذاتها للمخاطر في بلادنا. إن العلمانية كمنظومة ليست قائمة في تونس، بل إن ما هو موجود لا يعدو أن يكون علمانية مشوهة و أن الادعاء بأنها موجودة وأن المطلوب "استكمالها" يجعل منها أي العلمانية رديفا للقمع والاستبداد. إن العلمانية بمعناها الصحيح، أي بوصفها رديفا للحرية ما تزال مشروعا للتحقيق في بلادنا، لأن العلمانية لا يمكن أن تترعرع إلا في مجتمع ديمقراطي، حيث تكون هي إحدى ركائز هذه الحرية وتلك الديمقراطية.

إن الاستقواء بالقمع الإداري والبوليسي والتوهم بأن ذلك كفيل بتعديل ميزان قوى سياسي راجح راهنا لصالح القوى السلفية في العالم العربي والإسلامي، بدل التعاطي الفكري مع المسألة وخوض الصراع في صفوف النخب والجماهير بنفس طويل ورؤية واسعة الأفق من أجل إحداث النقلة الحقيقية في الأذهان وفي ميزان القوى، إن ذلك تعبير صارخ عن ضيق أفق البورجوازي الصغير وقلة صبره أمام الصعوبات.

ومهما يكن من أمر علينا أن ندرك أنه ما من جواب علماني في مجتمعنا على الأطروحات السلفية والظلامية خارج النضال من أجل الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتحرر من التبعية وهي كلها محاور تؤدي بالضرورة إلى النضال ضد الدكتاتورية القائمة. وكما أكدنا أكثر من مرة، فإن سدّ الباب أمام الاستبداد باسم الدين يقتضي إعطاء المثال اليوم في مقاومة الاستبداد النوفمبري لا التواطؤ معه أو مجاملته.

الاشتراكية والحرية الدينية

إن الذين يَعْرِفون التراث الاشتراكي يدركون أن مَن وضعوه وطوّروه لم يدافعوا، خلافا لما تدعيه بعض الأطراف "اليسارية"، عن الأساليب الإدارية القمعية في التعامل مع القضايا العقدية. فـ كارل ماركس وفريدريك أنجلس مؤسّسا الاشتراكية العلمية ناهضا بشدة التطرف اللاديني أو الإلحادي لما فيه من ضرر بقضية العمال والكادحين.

إن ماركس الذي دعا الاشتراكيين إلى النضال من أجل تحرير العمال من الأوهام الدينية التي تستغلها البورجوازية لتحملهم على قبول واقعهم المزري والتخلي عن السعادة في دنياهم في انتظار "سعادة الآخرة" التي يُقال لهم إنها ستعوّض لهم بؤسهم الدنيوي، دافع بحزم عن حرية الضمير مؤكدا أنه "ينبغي أن يكون في وسع كل امرئ أن يُلـَبـّيَ حاجاته الدينية والجسدية (الطقوس– من عندنا) على السّواء دون أن يحشر البوليس أنفه في الموضوع" (كارل ماركس- نقد برنامج غوته). و هذا هو معنى أن يكون الدين "قضيّة خاصة بالنسبة إلى الدولة"، لا تتدخل فيه و لا تفرض شكلا من أشكال العقائد أو القناعات على مواطنيها.

أما أنجلس الذي كتب الكثير حول الدين وحول الحركات الدينية عبر التاريخ، فإنه سَخـَرَ أيّما سخرية وهو بصدد الرد على الفوضوية والفوضويين الذين يمثلون الترجمة المكثفة للنفسية البرجوازية الصغيرة التي تخفي عجزها بالبريق الراديكالي، سخر من أولئك الذين يزعمون أنهم قادرون على إلغاء الدين من حياة الناس وفرض الإلحاد بمجرد قرار فوقي، مبينا أنه بإمكان المرء أن يُسطـّر ما يريد على الورق دون أن يجد ذلك طريقه إلى التنفيذ، وأن القرارات التعسّفية هي أحسن وسيلة لتقوية القناعات الغيبية. وفي نفس الإطار انتقد أنجلس بشدة قوانين بيسمارك التي سنـّها في إطار ما سُمّي "النضال الثقافي" للتضييق على الحزب الكاثوليكي الألماني بواسطة القمع البوليسي للكاثوليكية والتي لم تجد طريقها إلى التنفيذ بل عُلّقت ثم أُلغيت لطابعها الفوقي التعسّفي، علما وأنها لم تفعل شيئا سوى توطيد الإكليريكيّة الكاثوليكية وإنزال الضرر بقضية الثقافة الفعلية أي الثقافة التقدّميّة التي ترتقي بوعي الشعب (أنجلس، نصوص حول الدين. ص 142 – المنشورات الاجتماعية، فرنسا 1972).

لقد اعتبر أنجلس هذا التمشـّي الإداري خطيرا لأنه "يبرز إلى السّطح الانقسامات الدّينيّة بدلا من الانقسامات السّياسيّة و يصرف انتباه فئات من الطبقة العاملة وعناصر ديمقراطية أخرى بعيدا عن المهامّ الجوهريّة للصراع الطبقي والثوري نحو عداء الإكليريكيّة السطحي جدّا و الكاذب بشكل بورجوازيّ جدّا" (لينين، نصوص حول الموقف من الدّين، ص 100-101، دار الطليعة، بيروت،1978). وبناء على هذا الموقف المادّي الجدلي، ناضل أنجلس كما ناضل الاشتراكيون-الديمقراطيون الألمان في أواخر القرن التاسع عشر من أجل إلغاء كلّ التدابير الزجريّة البوليسيّة ضدّ أيّ دين من الأديان في نفس الوقت الذي كانوا يشرحون فيه للعمّال الجذور التاريخيّة و الاجتماعيّة لهذه الأديان و ينبّهونهم إلى دور الكنيسة في محاولة إخضاعهم للاستغلال و إلهائهم عن النضال ضدّه.

وكان أوغـست بيبل الزعيم الاشتراكي الألماني سَخـَرَ من التطرف اللاديني ونفى أن تكون له صلة بالاشتراكية العلمية واصفا النزعة المتطرفة في معاداة الأكليروس (anti-cléricalisme) بأنها "اشتراكية البورجوازية الصغيرة" باعتبارها تعزل الدين عن قاعدته الاجتماعية وتحاربه بصورة تبشيريّة تجريدية موضحا أن الخطاب المتطرف ضد الدين لا يعني بالضرورة أنه الخطاب القادر على تخليص الجماهير الكادحة من الأوهام الدينية، بل إنه خطاب بورجوازي راديكالي يترجم عن فكرة سطحيّة تزعم أنّ الفكر و الثقافة يفعلان فعلهما بواسطة نفسيهما و ليس من خلال الصراع الطبقي الملموس.

وقد انتقد لينين في كتاباته السياسية انتقادا لاذعا دور الكنيسة في مساندة الاستبداد القيصري وبث الأوهام الدينية الرجعية في صفوف العمال والفلاحين حتى يقبلوا بواقعهم المزري ويتخلوا عن النضال من أجل تغييره كي يكدّس الملاكون العقاريون وأصحاب المصانع الثروات على حسابهم و دعا إلى مقاومة تلك الأوهام، ولكنه كان في الآن نفسه حازما بخصوص الأسلوب الذي ينبغي اتـّباعه في هذه المقاومة: لا حربَ سياسيّة على الدّين بل حربًا على الاستغلال الرأسمالي الذي تكمن فيه الجذور الاجتماعيّة للأوهام الدّينيّة، ولا قمعَ بوليسيًّا للأديان و القناعات بل الحريّة لها جميعًا، ولا صراعَ مع العقائد المختلفة إلا بالأسلحة الفكريّة المحظة، ولا تقسيمَ للعمّال و الشعوب على أساس العقيدة بل توحيدها ضدّ الاستغلال و الاضطهاد. و لم يتردّد لينين في الدّعوة إلى قبول العمّال المتديّنين في صفوف الحزب طالما أنهم يتبنـّون برنامجه السياسي و يدافعون عنه مشدّدا على عدم توجيه أي إساءة إلى قناعاتهم الدّينيّة. لقد كان الهمّ الأوّل للينين توحيد نضال العمّال ضدّ الاستغلال الرأسمالي باعتباره العامل الذي من شأنه أن يرتقي بوعيهم و يحرّرهم من تأثيرات الكنيسة الرجعيّة. (لينين، نصوص حول الموقف من الدين، دار الطليعة بيروت، الطبعة الثانية 1978).

إن هؤلاء المفكرين الاشتراكيين العظام لم يكن برنامجهم السياسي "محاربة الدين" و"نشر الإلحاد"، بل إن هدفهم لم يكن خوض معركة مجردة ومقطوعة عن الواقع ضد الدين. إن ذلك مناف لنظرتهم أصلا، التي تركز أولا وقبل كل شيء على تغيير الشروط الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية للعمال والكادحين، لخلق الشروط الإنسانية لحياة لا يحتاج فيها الفقير والضعيف لأوهام دينية كي يهرب من واقعه المزري.

عودة إلى "إعلان هيئة 18 أكتوبر"

وهكذا فإن ما جاء في "الإعلان" بصدد الحجاب/الخمار سليم كما أكدنا سلفا، فلا يمكن لأي يساري، ديمقراطي، تقدمي، أن لا يندد بالقمع الذي يسلطه النظام القائم على المتحجّبات وأن لا يطالب بإلغاء المنشور عدد 108 وأن لا يواجه في نفس الوقت الدعوات السلفية الاستبدادية التي تريد إكراه الفتيات والنساء على لباس الخمار، بدعوى أنه "فريضة دينية" وأن التي لا تقوم بذلك "آثمة" ومخلة بدينها وبـ"الطهر" و"الفضيلة". وبالطبع ما كان بالإمكان، أن يصدر أكثر من هذا في بيان سياسي مشترك بين أطراف متعددة المشارب الفكرية والسياسية، ومن بينها طرف إسلامي، بل إنه ما كان بالإمكان إقرار أكثر من ضرورة عدم "حشر البوليس أنفه" اليوم و غدًا في ضمائر الناس. وهذا في حد ذاته خطوة إيجابية وهامة. ويبقى لكل طرف بطبيعة الحال حق الدفاع عن موقفه في كل جوانبه وأبعاده الأخرى و بالتالي حقنا كاشتراكيّين في نشر أفكارنا الفلسفيّة و السّياسيّة و مقارعتها بأفكار الآخرين بمختلف مشاربهم.

وقد تعدّدت كما هو معلوم ردود فعل "الإسلاميين" على "إعلان 8 مارس" ولم يتردّد بعضهم بمن فيهم عناصر من "حركة النهضة" ذاتها، في اتهام السّيّدين علي العريض وزياد الدولاتلي، القياديين النهضويين المعروفين، اللذين ساهما في بلورة "الإعلان" بـ"الانحراف عن تعاليم الدّين الإسلامي". ولكن هذين الأخيرين لم يتراجعا، أمام حملات الانتقاد والتشهير، وتمسكا، كما تمسكت قيادة حركتهما، بـ"الإعلان" بل إن العريض، لم يتردد في حوار صحفي، نشر على شبكة الانترنيت، في تأكيد أن الإسلام لم يحدد زيّا معينا للمسلمين والمسلمات وأن الرسول والصحابة رجالا ونساء "كانوا يلبسون لباس قومهم وعصرهم"، مضيفا "أن اللباس شأن شخصي تدخل في تحديده عند كل شخص قيمه وعاداته وسنه وذوقه وأغلب هذه العناصر متغيرة في الزمان والمكان بل وحتى متقلبة". ويرى العريض "أن اللباس يفترض فيه مراعاة الآداب العامة والأمن العام وفيما عدا هذين الاعتبارين فكل مواطن حر في لباسه سواء لبسه اعتقادا أو وراثة أو مجاراة". (موقع نواة – 7 أفريل 2007).

إن مزية هذا الموقف أنه يعيد مسألة الخمار إلى نصابها التاريخي، ويخرجها من بوتقة "المقدس" ليسمح بنقاشها داخل التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي وليس خارجه. ولم يتردّد الدّولاتلي من ناحيته، في حوارات عمومية، من تأكيد أن اللباس بشكل عام يندرج في إطار الحرية أي في إطار الاجتماعي/الثقافي، لا في إطار المقدس. وهذه المواقف جد هامة وهي تمثل خطوة نحو إرساء حوار جدي ومسؤول، بعيدا عن التوتر أو بالأحرى التوتير العقائدي بين مختلف مكونات الساحة الفكرية والسياسية في بلادنا.

وبطبيعة الحال لا يمكن لأحد أن ينكر أن هذا الموقف ليس الموقف السائد حاليا في صلب الحركة الإسلامية التونسية بما في ذلك داخل "حركة النهضة"، إذ توجد عناصر وتيارات ترفض اعتبار الحجاب/الخمار لباسا وتتمسك بأنه "فريضة". وهي لا تثير مسألة "الحرية" إلا بصورة انتهازية أحادية الجانب، أي عندما تكون لصالحها وتحديدا عندما يتعلق الأمر بارتكاب نظام الحكم اعتداءات على حساب المتحجّبات، في هذه الحالة، وفي هذه الحالة فقط ترفع عقيرتها بالصياح لإدانة انتهاك "حرية المتحجّبات" وتطالب الأحزاب والجمعيات باتخاذ مواقف تتهجم على الذين لا يدينون ممارسات النظام التعسفية، ولكننا لا نسمع لها صوتا يدافع عن حرية النساء اللواتي يرفضن ارتداء الخمار. كما أننا لا نسمع لها صوتا يُدين الإكراه الذي تتعرض له النساء في بلدان مثل إيران والسعودية، حيث يرتبط لباس الحجاب/الخمار بمنظومة قمعية كاملة تبدأ بتشريع تعدد الزوجات وتزويج القاصرات (9 سنوات في إيران) وتصل إلى فرض الحجاب عليهن ومعاقبة من ترفض لباسه.

ونحن ندرك أن تلك العناصر والتيارات وإن كانت اليوم عاجزة عن فرض الحجاب/الخمار على النساء بالقوة الغاشمة، لافتقارها القوة المادية فإنها لن تتردد في القيام بذلك يوم تمتلك هذه القوة علما وأنها لا تتورع اليوم عن استعمال الإرهاب الفكري من تكفير وتعهير وتهديد بسوء المصير لحمل النساء على ارتداء الخمار. وبالتالي فإن السيناريو الذي يتحدث عنه البعض من أن هؤلاء يريدون اليوم تمرير الحجاب/الخمار تحت غطاء الحرية لفرضه غدا بالقوة تحت غطاء الشريعة هو سيناريو حقيقي ووارد. ولكن هذا لا ينبغي أن يكون ذريعة، بالنسبة إلى أي ديمقراطي، تقدمي متماسك، وبالأحرى إلى أي يساري، جدير بهذه الصفة، للتخلي عن مواقفه المبدئية وغض الطرف عن القمع الذي تمارسه السلطة على الحجاب بدعوى أن التصدي له سيستفيد منه "الإسلاميون" على حساب حرية النساء وحقوقهن. إن نقد الحجاب/الخمار من الناحية الفكرية ينبغي أن يقترن بنقد الأساليب التعسفية للسلطة ورفضها، وبهذه الصورة يرسم الديمقراطي، التقدمي طريقه المستقل للنهوض بواقع النساء خاصة والمجتمع عامة. إن إرساء حياة ديمقراطية تتوفر فيها حرية الصراع الفكري يبقى الضامن الوحيد للسير بالمجتمع التونسي نحو الأفضل. وفي ما عدا ذلك من مواقف، سواء اتكأت على الدكتاتورية بدعوى مواجهة الخطر السلفي أو هادنت الحركات السلفية بدعوى مواجهة الدكتاتورية، فهو إن لم يُطِلْ حياة الدكتاتورية الحالية، يفتح الباب لدكتاتورية جديدة.

وخلاصة القول إن معارضة الحجاب/الخمار ينبغي أن تكون جزءا من بديل ديمقراطي تقدمي وطني شامل، يهدف إلى وضع حدّ للاستبداد في بلادنا، ويسدّ الباب أمام أي استبداد آخر مهما كان لونه، ويفتح آفاقا للشعب التونسي بأسره وللنساء خصوصا ويخلصهن من كافة أشكال الاستلاب الفكري والاقتصادي والسياسي ويجعل منهم سيّدات مصيرهن وأجسادهن وذواتهن المعنوية، ومن المؤكد أنه يوم يتحقق كل هذا للنساء التونسيات فإنهن سيتخلّيْن طواعية عن الخمار، ولكن أيضا عن كل أشكال اللباس التي تشيّؤهنّ، وستنظرن إلى ذلك على أنه مجرد ذكريات تنتمي إلى عصور "الوحشية". وفي انتظار ذلك وطالما أن الاستبداد ولاَزِماته من استغلال وفساد وتبعية، ما يزال قائما فإن مكتسبات المجتمع العلمانية ستظل هشة وقابلة للتراجع في أي لحظة.

إنّ حزب العمّال لا يتوجّه في دعايته و نشاطه العملي إلى صنف معيّن من النساء بل إلى كافـّة بنات الشعب التونسي اللواتي يتعرّضن للتمييز و الاستغلال والاضطهاد بهدف توحيدهنّ ضدّ عدوّهنّ المشترك و تخليصهنّ من براثنه، وهو لا يميّز بين سافرة أو متحجّبة لإيمانه العميق بأنّ محاولات تقسيم النساء على أساس عقائديّ يديم استعبادهنّ ولا يخدم سوى مصلحة الاستبداد ويلهيهنّ عن النضال ضدّه.

حمّه الهمّامي، صائفة 2007

[1] إن الكرّاس الذي أصدره الحزب الاشتراكي اليساري بإمضاء السيد محمد الكيلاني، بعنوان "مع السفور ضد الحجاب"، هو النص الأكثر اكتمالا في التعبير عن موقف هؤلاء "العلمانيين". وقد صدر هذا الكراس في ديسمبر 2006 بمناسبة الحملة على المتحجّبات، للرد على موقف حزب العمال وغيره من الأحزاب والجمعيات والشخصيات التي نددت بهذه الحملة. وقد اعتمدت المواقف الواردة في الكراس للردّ لاحقا على "الإعلان". لذلك سنعتمد في ردنا هذا على هذا الكراس.




ملحق:
إعلان هيئة 18 أكتوبر للحقوق و الحريات حول حقوق المرأة و المساواة بين الجنسين


حققت المرأة التونسية مكاسب هامة على طريق تحررها كإنسان ومشاركتها على قدم من المساواة مع الرجل في مختلف مجالات الحياة، وجاءت هذه المكاسب ثمرة لحركة الإصلاح التي حمل لواءها مفكرون ومصلحون كبار كان لهم شرف الدفاع عن تعليم المرأة وتحريرها والنهوض بأوضاعها كما جاءت ثمرة لنضال دؤوب خاضته حركات نسائية من مختف المشارب الفكرية عملت على مدى القرن الماضي على فك عقال المرأة وإخراجها إلى الحياة العامة.

ويأتي في مقدمة هذه المكاسب ما تضمنته مجلة الأحوال الشخصية من حقوق وإصلاحات ساهمت في الحد من مظاهر الحيف والتمييز ومن أسباب التوتر في العلاقات الأسرية من ذلك أن منعت مجلة الأحوال الشخصية تعدد الزوجات وأقرت التراضي أساسا لقيام عقد الزواج واعتبرت المرأة أهلا لتزويج نفسها دون ولاية من أحد وحددت سنا دنيا للزواج ووضعت بذلك حدا لتزويج القاصرات اللائي لم تتجاوزن سن المراهقة كما سنت المجلة حالة من التساوي بين المرأة والرجل وأخضعت الطلاق إلى مراقبة القاضي وشرّكت المرأة في إدارة شؤون الأسرة ووسعت من حالات إسناد المرأة الجنسية التونسية لأبنائها من أب أجنبي.

وفي مجال التربية والتعليم أقرّ القانون التونسي مبدأ التساوي بين البنين والبنات في حق التعليم وجعله إجباريا ووحد بين البرامج والخيارات المفتوحة أمام الطلاب وعمّت المدارس المختلطة للبينين والبنات وبذلك زالت مظاهر التمييز بين الجنسين في مستوى التعليم وتساوت نسب التمدرس بينهما وتطورت صورة المرأة لدى الناشئة.

وفي ميدان الشغل سوّى القانون بين النساء والرجال في حق العمل وفي الأجر وفي التغطية الاجتماعية وفي الرعاية الصحية وخصّ المرأة الحامل والمرضع بحماية تحفظ لها صحتها وأمومتها كما سوى بصفة عامة بين الجنسين في حق التقاعد وفي فرص الارتقاء وفي الضمانات عند الطرد وجاءت القوانين التونسية في مجال الشغل والتغطية الاجتماعية مطابقة لأغلب المعاهدات الدولية التي سنتها المنظمة العالمية للشغل وصادقت عليها البلاد التونسية. وبذلك فتح عالم الشغل أمام المرأة التي لم تترك مجالا من مجالات النشاط الاجتماعي إلا واقتحمته وتقلدت المرأة مختلف أنواع الخطط والمهن وأثبتت فيها كفاءة وجدارة ساهمت بشكل فعال في تطوير العقليات وتخليصها من التقاليد البائدة المحقرة للمرأة.

وفي مجال الحقوق المدنية والسياسية سوّت القوانين والمبادئ الدستورية أيضا بين المرأة والرجل من حيث الأهلية للقيام بالعقود المدنية والإجراءات القضائية ومن حيث الذاتية المالية للمرأة ومنحتها القوانين حق الانتخاب والترشح إلى مختلف الخطط واعترفت لها بحرية التنقل والسفر وفي تحمل المسؤوليات النيابية والحكومية وفي المشاركة في الحياة الجمعياتية وفي الأحزاب والمؤسسات السياسية المختلفة.

إن هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات إذ تتمسك بكل هذه المكاسب التي جاءت في سياق حركة إصلاحية اجتهادية تنويرية ومتفقة مع المواثيق الدولية حول حقوق المرأة والتي ساعدتها على تحقيق إنسانيتها وتخليصها من القيود الثقافية والاجتماعية لعصور الانحطاط وأسهمت بذلك في تحرير نصف المجتمع وتحديثه مع الحفاظ على مقومات هويته الحضارية الخصوصية، وإذ تؤكد عزمها الراسخ على الحفاظ على كل هذه المكاسب والدفاع عنها في وجه كل تهديد وعلى مواصلة الحوار بروح وطنية بناءة حول القضايا الخلافية العالقة مثل مسألة المساواة في الإرث أو الموقف من التحفظات التي أبدتها الدولة التونسية حيال بعض الاتفاقيات الدولية الخاصة بالمرأة فهي تعتبر أن وضعية المرأة ما زالت تتطلب الكثير من التطوير والتحسين حتى تتحقق المساواة الكاملة بين الجنسين نصّا وممارسة وينتفي كل تمييز بين المواطنين على أساس الجنس.

ففي مجال الأحوال الشخصية ودعما لسلامة الأسرة ودورها في المجتمع يتعين تعميق مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات بين الزوجين واعتبارهما شريكين متعاونين في إدارة شؤون العائلة ورعاية الأبناء واختيار محل الزوجية وإسناد الجنسية لأبنائهما وذلك بتخليص المجلة وسائر القوانين من رواسب التمييز المكرسة لدونية للمرأة، كما يتعين الرفع في السن القانونية الدنيا لزواج المرأة إلى ثمانية عشر عاما وهي السن القانونية التي تنتهي فيها فترة الطفولة.

وفي مجال التعليم وعلى الرغم من كل الخطوات المقطوعة لا تزال الأمية تنتشر في أوساط النساء ونسبتها تفوق نسبتها لدى الرجال بكثير. أمّا في ميدان الشغل فإن المساواة في القانون لم تقض عل مظاهر التمييز في الواقع إذ تعصف البطالة بالنساء حتى أنّ ثلاثة أرباعهن لا يُحتسبن من بين القوة العاملة للبلاد. وتحتل المرأة مواطن العمل الأكثر هشاشة وتعرضا لعدم الاستقرار والطرد، وترجع إليها المهن متدنية المهارة والأجر. ولا تتمتع النساء بالمساواة في الأجر حيث يقل معدل الأجر العام للنساء بنسبة 14 بالمائة عن أجور الرجال وترتفع هذه النسبة إلى 18 بالمائة في القطاع الخاص حسب آخر الإحصاءات المتوفرة. وتتعرض المرأة العاملة إلى التمييز بسبب حالتها المدنية وخاصة الزواج والحمل والرضاعة كما ترهقها ازدواجية المسؤوليات المهنية والأسرية وقل ما تحترم المؤسسات مقتضيات القانون من حيث توفير دور الحضانة وتندر المؤسسات التي تعينها على رعاية أطفالها مدة العمل. إلى ذلك تستشري ظاهرة العنف المسلط على النساء داخل الأسرة والمجتمع وتتفاقم مظاهر التحرش والاتجار بالمرأة.

أمّا في المجال السياسي فإن المرأة والرجل يتعرضان على حد سواء إلى الحرمان من الحقوق والحريات الأساسية ولكن المرأة تعاني في هذا المجال وبسبب مسؤولياتها الأسرية ورواسب النظرة الدونية من تمييز مضاعف يتجلى في ضعف حضورها في الهيئات التمثيلية والمؤسسات التنفيذية محليا ووطنيا وداخل المنظمات المهنية والثقافية والأحزاب السياسية.

إن هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات إذ تتمسك بما تحقق من مكاسب تحررية ترى أن القضاء على مظاهر التمييز ضد المرأة داخل الأسرة وفي الحياة العامة يتطلب من الحركات السياسية ومن المجتمع المدني بكل هيئاته ومنظماته وعموم الشعب مواصلة الجهد في إطار من التفاعل بين مقومات الحضارة العربية الإسلامية للمجتمع التونسي ومكتسبات البشرية في العصور الحديثة وذلك بالعمل على تحقيق المساواة الكاملة بين الجنسين في الاتجاهات التالية:

- التنصيص على مبدأ المساواة بين الجنسين بصفة صريحة في الدستور وفي مختلف القوانين التونسية وتخليصها من كل لبس وتنقيح أو إلغاء كل القوانين التي تتضمّن أيّ شكل من أشكال التمييز ضد المرأة بما يحقق مساواتها الكاملة مع الرجل ويفتح في وجهها أوسع مجالات المشاركة في الحياة العامة وتقلد مختلف الخطط دون استثناء.
- توفير الضمانات القانونية والآليات القضائية لتعقب التمييز ضد المرأة وفتح حق التقاضي في شأنه لكل المنظمات والهيئات ذات الصلة.
- إلغاء المنشور عدد 108 بوصفه إجراء تعسفيا يعرّض النساء المتحجبات إلى التسلط والحرمان من الحقوق واعتبار مسألة الحجاب قضية تتعلق بالحرية الذاتية لا يحق لأي كان التدخل فيها بالمنع أو الإلزام عن طريق الإكراه.
- تطوير العقليات وإصلاح البنى الثقافية وإيلاء دور هام للمدرسة ولوسائل الإعلام في بناء ثقافة جديدة تقضي على مظاهر التمييز ضد النساء وترسي ركائز أسرة متماسكة ومتضامنة.
- تكثيف الجهد للقضاء على الأمّية ولا سيّما في أوساط النساء.
- تعزيز الرعاية الصحية للمرأة والتسوية في عطلة الأمومة بين القطاعين العام والخاص وإقرار عطلة ما قبل الوضع.
- دعم كل المبادرات واتخاذ الإجراءات التي من شأنها تدارك التفاوت بين المرأة والرجل في مختلف المجالات.
- إقرار الحريات الفردية والعامة بما يضمن مشاركة كافة هيئات المجتمع في عملية الإصلاح الاجتماعي حتى لا تبقى قضية المرأة أداة للتوظيف الدعائي من قبل السلطة وحزبها والمنظمات الدائرة في فلكها.

تونس في 8 مارس 2007
هيئة 18 أكتوبر للحقوق والحريات

_________________
farouq734361335@gmail.com
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
مطارحات حول قضيّة المرأة
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اليسار التقدمي اليمني :: المرأة والمجتمع-
انتقل الى: