اليسار التقدمي اليمني
كي نرى النور
ساعدني في دفع الظلام قليلاً
أو إمنع عني مخاوفك.
...
حينما أكون واضحاً
أفضل السير مع الأمل بعكازين
على إنتظار طائرة الحظ
والظروف المواتية.

اليسار التقدمي اليمني

منتدى ثوري فكري ثقافي تقدمي
 
الرئيسيةالرئيسية  رؤى يسارية..منترؤى يسارية..منت  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  دون رؤيتك  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مكتبة الشيوعيين العرب
12/12/14, 08:24 am من طرف communistvoice

» سؤال عادل ...
05/01/14, 04:50 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» ماذا يهمك من أكون
05/01/14, 04:38 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» حقيبة الموت
05/01/14, 04:30 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» ثوابت الشيوعية
05/01/14, 04:22 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» جيفارا..قصة نضال مستمر
05/01/14, 04:15 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» مواضيع منقولة عن التهريب
07/10/13, 05:10 pm من طرف فاروق السامعي

» الحزب الاشتراكي اليمني مشروع مختطف وهوية مستلبة وقرار مصادر
14/09/13, 05:42 pm من طرف فاروق السامعي

» صنعاء مقامات الدهشة أحمد ضيف الله العواضي
13/09/13, 04:30 pm من طرف فاروق السامعي

» حزب شيوعي لا أشتراكية ديمقراطية
19/03/13, 05:18 pm من طرف فاروق السامعي

» المخا..ميناء الأحلام ومدينة الكوابيس فاروق السامعي
15/03/13, 03:39 pm من طرف فاروق السامعي

»  قضية تثير الجدل: حجاب المرأة : 14 دليل على عدم فرضيته
20/10/12, 05:56 pm من طرف فاروق السامعي

»  "ضرب الحبيب..معيب"/ حملة ترفض العنف ضد المرأة
20/10/12, 05:40 pm من طرف فاروق السامعي

» "عذريتي تخصّني"، نداء تضامن مع نساء من العالم العربي ريّان ماجد - بيروت - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "
20/10/12, 04:22 pm من طرف فاروق السامعي

» حركة التحرر الوطني التحرر الوطني طبيعتها وأزمتها _ مهدي عامل
06/10/12, 07:07 pm من طرف osama maqtari

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
سحابة الكلمات الدلالية
منتدى

 

في العدد القادم من مجلة صيف

 

 

 واقع ومصير اليسار اليمني ومآلات الخطاب الحداثي الذي كان يمثله اليسار على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، وما الذي جعله ينكسر ويتراجع في أفق اللحظة اليمانية الراهنة بكل ملابساتها

 

والمشاركة مفتوحة لكل الكتاب حول هذا الملف الهام

خلال أقل من 3 اسابيع
بريد المجلة
sayfye@gmail.com


شاطر | 
 

 أي مستقبل للأحزاب الشيوعية العربية ؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 13/08/2010

مُساهمةموضوع: أي مستقبل للأحزاب الشيوعية العربية ؟    21/10/10, 04:43 pm

قضايا النهار


أي مستقبل للأحزاب الشيوعية العربية ؟



ورثت الأحزاب الشيوعية العربية لدى نشوئها تركة كبيرة. وهي تركة ساهم في صنع لبناتها الأولى رواد الإشتراكية الأول في العالم العربي. وكانوا كثيرين. وكانوا طليعيين في اقتحام أسوار الأفكار السائدة في مجتمعاتهم المحافظة. وكانوا شجعاناً في تجاوز تلك الأفكار وفي تحمل تبعات ذلك التجاوز. إلا أن الأساسي في ما ورثته هذه الأحزاب يتمثل في التجربة الإشتراكية الأولى في التاريخ، وليدة ثورة أوكتوبر التي أسس لها وقادها لينين.

وفي هذه التركة العظيمة، وفي امتداداتها خلال ما يزيد عن ثلاثة أرباع القرن، ما هو عظيم في تقدمه، وعظيم في الإنجازات التي تحققت باسم الإشتراكية. وفيها، في المقابل، ما هو مليء بالخلل وبالأخطاء، وما هو مثقل بالنكسات وبالخيبات. ولذلك فإن الدخول في عصر ما بعد انهيار التجربة الإشتراكية كان صعباً جداً بالنسبة إلى هذه الأحزاب في بلداننا، مثلما كان صعباً جداً بالنسبة إلى سائر الأحزاب الشيوعية في العالم. وهو أمر تدل عليه وقائع أيامنا، خلال العقد ونصف العقد منذ انهيار الإتحاد السوفياتي والمنظومة الإشتراكية العالمية التي كانت مرتبطة به ومستندة إليه ومحكومة بنموذجه المعمم للإشتراكية.

وأكاد أقول، من دون تعسف، بإن انهيار هذه التجربة كان قد بدأ يحصل قبل تلك اللحظة التاريخية التي عبّر عنها الإنهيار المدوّي. ويمكن القول ذاته بالنسبة إلى التراجع الذي شهدته الأحزاب الشيوعية بعامة، وبالنسبة إلى التراجع الذي شهدته الأحزاب الشيوعية العربية، على وجه الخصوص.

إن هذه الوقائع بذاتها، الحديث منها بوجه خاص، تجعل مهمة اضطلاع الأحزاب الشيوعية العربية اليوم بدور مهم، استناداً إلى الفكر القديم العظيم المتقدم الذي اعتنقته، الفكر الماركسي، مهمة صعبة لا يمكن تحقيقها إلا بشروط. وهذه الشروط تفرضها تحولات العصر الذي دخلت فيه البشرية منذ أكثر من عقدين من الزمن. وتتمثل هذه الشروط في كيفية تحوّل هذه الأحزاب، ليس فقط في اتجاه مغاير لما كانت عليه حال التجربة الإشتراكية، لا سيما عشية انهيارها، بل هي تتمثل تحديداً في كيفية تعامل هذه الأحزاب مع الأوضاع الجديدة التي ولـدها هذا الإنهيار في كل الإتجاهات على الصعيد العالمي وعلى صعيد كل بلد بمفرده، ومنها بلداننا.

غير أن الواقع الراهن للأحزاب الشيوعية، بعامة، ولأحزابنا الشيوعية العربية بخاصة، يشير، بكل أسف، إلى أنها، في معظمها حتى لا نطلق الأحكام، قد تخلفت كثيراً عن الدخول في هذه التحولات، واستنكفت، خصوصاً، عن القيام بنقد تجربتها هي في ظروف بلدانها، وعن القيام بنقد التجربة الإشتراكية بشكل عام. كما استنكفت عن البحث بعمق في أسباب الإنهيار، وعن تحديد دور كل منها في حصوله، حتى ولو كان هذا الدور جزئياً، بالمقارنة مع الدور الذي يعود للمركز الأممي وللتجربة الأم في الإتحاد السوفياتي. لكن أخطر ما في الأمر هو أنها، أي هذه الأحزاب، استنكفت أساساً، بسبب الإضطراب الذي واجهته في بلدانها وفي العالم، عن الإنخراط بعمق وبواقعية في إعادة صياغة أوضاعها الداخلية، وإعادة صياغة مشروعها الإشتراكي في الشروط التاريخية الجديدة.

إن اضطلاع الأحزاب الشيوعية العربية بدور مهم- وربما مميّز إذا ما أحسنّا الظن- اليوم وفي المستقبل، استناداً إلى الفكر الذي انتمت إليه وإلى المشروع الذي كان في أساس وجود الحركة الشيوعية العالمية، ومرجعيته فكر ماركس المادي الجدلي، إن الإضطلاع بهذا الدور في الظروف الراهنة الشديدة التعقيد في بلداننا وفي العالم إنما يحول دون تحققه عدم استكمال الشروط التي أشرت إليها قبل قليل.

ولعل أبرز هذه الشروط وأهمها، كما أتصورها، شرطان على الأقل: الأول يتمثل في سعي هذه الأحزاب لكي تتحول من أحزاب مغلقة على ذاتها في شكل تنظيمها، أي في شكل التعاقد الطوعي الحر بين أعضائها، وفي شكل علاقتها مع القوى السياسية والإجتماعية الأخرى في بلدانها، وفي نوع علاقتها مع مجتمعاتها المحافظة، تحوّلها إلى أحزاب منفتحة على المجتمع، متحررة من سلفيتها السابقة، ومحررة أعضائها من العصبية ومن الإنغلاق على الذات.

ذلك أنها ما زالت، بشكل عام، أحزاباً قديمة بكل المعاني. بل هي تزداد انغلاقاً وعزلة واغتراباً وهامشية، خلافاً لما هو مطلوب منها بحكم تجربتها التاريخية الغنية، وبحكم علمانيتها، وبحكم تقدم الفكر الذي تنتمي إليه وطليعته. الشرط الثاني يتمثل في سعي هذه الأحزاب لكي تتحوّل بفكرها وبسياساتها وببرامجها من أحزاب تنتمي إلى عقائد شبيهة بالعقائد الدينية إلى أحزاب ذات برامج سياسية واقعية، يجري الإستناد في صياغتها إلى قراءة عميقة للواقع القائم في بلدانها بجوانبه ومستوياته المختلفة. كما يجري الإستناد في هذه المهمة إلى فكر ذي منهج جدليّ متحرك قادر على تحديد شروط التحرر من هذا الواقع والإنتقال منه إلى أفق مفتوح على الحرية والديموقراطية والتحديث والتقدم، مقرونة جميعها بعدالة اجتماعية يحددها الظرف التاريخي لكل مرحلة من المراحل، ولكل حقبة من الحقبات.

هذان الشرطان هما الشرطان الأساسيان اللذان من دون توافرهما سيكون من الصعب مجرد تصور احتمال اضطلاع هذه الأحزاب بدورها المهم والمتميز، لا سيما في هذه الظروف الشديدة التعقيد كما أشرت إلى ذلك، شروط الداخل وشروط الخارج معاً.

ولكي يستقيم البحث في ما نحن معنيون به في هذا الحديث، لا بد من التوقف قليلاً عند هذه الظروف الجديدة بشقيها الداخلي والخارجي. فما هي هذه الظروف؟

إنها، كما أراها، ذات مستويات متعددة، أهمها ثلاثة. المستوى الأول يتمثل في كون بلداننا تخلفت كثيراً في جميع الميادين ذات الصلة بالتقدم الإقتصادي والإجتماعي والثقافي. ويعود السبب في ذلك، قديماً وحديثاً، إلى أنها كانت جميعها، في صيغ وأشكال مختلفة، أسيرة أنظمة استبداد عطلت حرية العمل والتفكير والتنظيم والإبداع، وأدخلت بلداننا في هذا التخلف المزمن الذي هي فيه الآن.

المستوى الثاني يتمثل في أن سيادة هذه الأنظمة الإستبدادية قد خلفت مع الزمن نمطاً جديداً من السلفية الدينية تجاوزت حدود الدين وقيمه ومثله، وقدمت نفسها، بصيغ متفاوتة في سياساتها وفي اشكال ممارستها، قدمت نفسها كبديل من الأنظمة الإستبدادية، لكن من الطبيعة ذاتها لهذه الأنظمة وأسوأ منها، من جهة، وكبديل، من جهة ثانية، من مشاريع التغيير التي اقترنت بالإشتراكية بمدارسها المختلفة.

المستوى الثالث يتمثل في كون هذين المستويين قد أدّيا إلى تفكك مجتمعاتنا و إلى تشوّه الوعي لدى كثرة كثيرة من جماهير هذه البلدان، ولدى الأجيال الشابة منها على وجه الخصوص. كما أدّيا إلى تفكك العلاقات بين البلدان العربية إلى حد التناقض والتصادم في ما بينها، ومحاولة استيلاء الكبير منها على الصغير بالقوة وبأشكال أخرى، تحت شعار الوحدة القومية الزائف، ونقيضاً له بالكامل، خلافاً لأحلام الشعوب العربية في تحقيق وحدة بلدانها لمصلحة الحرية والتقدم. وقد أدى ذلك كله إلى جعل هذه البلدان في مجموعها عرضة للتدخل الخارجي، إما في شكل احتلال عسكري كما حصل في العراق، أو في شكل حصار، أو في شكل ضغط إقتصادي، أو في سوى ذلك من أشكال الضغط. وتحوّلت قضية فلسطين، على سبيل المثال- وهو أفظع وأفجع صورة للواقع الراهن- إلى كبش محرقة لشعارات زائفة طرحت من قبل هذه الأنظمة، ومن قبل قوى قومية ودينية سلفية محافظة قدمت لهذه الأنظمة، من موقع الإعتراض عليها، سنداً لها في ممارسة استبدادها، وفي تزييف الشعارات الصحيحة، وفي تشويه الوعي الجماعي لدى شعوبنا. لقد ترك الشعب الفلسطيني وحده يواجه مصيره في وجه عدو شرس تدعمه قوى عالمية عاتية.

هذه المستويات الثلاثة هي التي تواجه، كصيغة للأزمة العميقة الراهنة في بلداننا، هذا الدور الذي أشير إليه للأحزاب الشيوعية العربية، الدور الذي تستنكف، بفعل أوضاعها الراهنة، وتعجز عملياً عن الإضطلاع به. لكن حلمي الذي لا أتنازل عنه هو أن تتمكن هذه الأحزاب، ومنها الحزب الذي أمضيت عمري كله فيه، من استعادة عافيتها والنهوض من كبوتها، سواء بقدراتها الذاتية، أم ربما بمعجزة من المعجزات (!) لكي تضطلع بهذا الدور. إلا أن الوقائع التي أمامنا تدل على أنها، في معظمها حتى لا نعلن أحكاماً مطلقة، لا تزال تتخلف عن تأمين الشروط الضرورية للإضطلاع بهذا الدور، كما كان مفترضاً أو مأمولاً.

وفي واقع الحال فإن ما نقرأه وما نسمعه من جانب هذه الأحزاب، أو معظمها، حول خططها لمواجهة هذا الواقع المأزوم في بلداننا، يشير في مجمله إلى أنها لا تزال عاجزة عن القيام بتلك المهمة، مكتفية بطرح الشعارات الكبيرة التي ترن في الأسماع ولا تفيد معنى، ولا تؤدي إلى شيء حقيقي. ويعود ذلك إلى أن هذه الأحزاب، كما أشرت إلى ذلك، لم تقم بما كان مطلوباً منها القيام به، أولاً في تغيير أوضاعها الداخلية وتجديدها، ثم في تغيير مشروعها السياسي وتجديده. وقد أدّى بها كل ذلك إلى الإنقسامات في داخلها، وإلى انكفاء أعداد كبيرة من جماهيرها عنها، وإلى وقوع معظمها في حالة تهميش بالغة الخطورة بنتائجها عليها وعلى بلدانها.

إن العالم المعاصر هو عالم معقد. إنه عصر التحولات الكبرى التي تتم باسم العولمة بشقيها: الشق الأول الذي يتمثل بالمنجزات العلمية وبالتكنولوجيا وبأوتوسترادات المعرفة والإتصالات التي يتوحد فيها العالم في صورة حضارة عالمية جديدة تترسخ وتتوطد وتتهيأ لاتخاذ أشكالها المحددة مع الزمن. والشق الثاني الذي يتمثل في كون الرأسمال المعولم قد اتخذ في توسعه اتجاهاً جديداً غير مسبوق، متجاوزاً في ذلك حدود الدول كبيرها وصغيرها، لكي يتحول إلى كتلة مستقلة عن هذه الدول، ولكي يتخذ طابعاً شديد التوحش من أجل السيطرة على مصير البشرية ومصيرالكوكب، والتحكم بهما.

ويحصل ذلك في ظل تحوّل العالم في المرحلة الراهنة ولزمن لن يطول إلى سيادة قطب واحد فيه هو القطب المتمثل بالولايات المتحدة الأميركية. إن هذا العصر الجديد، بكل ما يحصل فيه من تحولات، بالإيجابي منها وبالسلبي معاً، هو واقع تاريخي جديد غير مسبوق. ولن يكون بإمكان أي دولة وأي شعب ألا يأخذا في الإعتبار وجوده الحقيقي، ويتعاملان معه بواقعية، بدلاً من أن يختبئا تحت خيمة هوياتهما وخصوصياتهما، ويدافعان عنهما و يتناقضان باسمهما مع حقائق هذا العصر.

وهذا يعني بالتحديد أن التمسك بالهويات وبالخصوصيات من دون الأخذ في الإعتبار التغيرات التي تجري على الصعيد العالمي، ومن دون السعي الدائم لتحديد هذه الهويات، هو مغامرة يدفع ثمنها في الدرجة الأولى الذين يغلقون أنفسهم على هوياتهم ويديرون ظهورهم لوقائع العصر وتحولاته. دليلنا على ذلك ما نشهده في هذه الأيام من حالات تعبّر عنها همجية الحركات السلفية الرجعية، ونموذجها بن لادن ومدرسته، التي تقتل بدون حساب، وتدمر بدون وعي بالنتائج المترتبة على هذا العمل الذي لا يقل توحشا وهمجية عن توحش الرأسمال المعولم وهمجيته.

لا غنى لأحزابنا الشيوعية العربية عن الدخول في عملية تجديد ذاتها، تنظيمياً وسياسياً وفكريا،ً وعن الإنخراط في صياغة جديدة لمشروعها الإشتراكي، انطلاقاً من الإعتراف المقترن بالنقد الذاتي بأنها فشلت هي وفشلت التجربة العالمية التي انتمت إليها في تحقيق ما اعتبرته مشروعها الإشتركي للتغيير. وفي أي حال فإنها، حتى إذا انخرطت في عملية التجديد هذه المطلوبة منها، فإنها لن تستطيع أن تدّعي اليوم، كما كانت تدّعي في الأمس، بأنها حركة طليعية. بل هي محكومة بأن تبحث عن حلفاء من كل القوى الساعية إلى التغيير، ولو من مواقع مختلفة، أخذاً في الإعتبار أن مهمة التغيير في بلداننا وفي العالم لم تعد، كما كانت عليه في السابق وكما كنا ندّعي نحن الشيوعيين، مهمة الطبقة العاملة وأحزابها حصراً.

ويعني هذا الكلام بالدقة أن أوضاع العالم جميعها قد تغيرت، بما في ذلك أوضاع الطبقات والفئات الإجتماعية على اختلافها. فالطبقة العاملة، كما رسم صورتها ودورها التاريخي ماركس، لم تعد هي ذاتها من حيث تكوينها ومن حيث دورها، سواء في عملية الإنتاج، أم في الحركة العامة لتغيير العالم. والواقع الجديد هذا للطبقة العاملة لا يلغي دورها في النضال لتغيير العالم، لكنه يلغي حصرية دورها الطليعي السبق كممثل لمصالح المجتمع كله، ويضيف إليها وإلى دورها قوى جديدة كبيرة، متعددة في مواقعها، ومتناقضة أيضاًَ في ما بينها. وهي قوى ولّدتها، وتولّدها، وقائع العصر الظالمة التي تعظّم جيش القوى صاحبة المصلحة في التغيير. وتشكل هذه القوى الجديدة الكبيرة مع جمهور الطبقة العاملة، الذي يدخل قسم كبير منه في دائرة التهميش بفعل التكنولوجيا الحديثة المتطورة، جيشاً كبيراً ذا مهمة تاريخية راهنة من نوع مختلف. وتتلخص هذه المهمة بعناوينها الكبيرة في التصدي لتوحش الرأسمال المعولم، وفي إعادة صياغة برامج وطنية للتنمية الإقتصادية والإجتماعية والبشرية في كل بلد بمفرده، وبناء الأسس الراسخة والمتطورة للدولة الديموقراطية الحديثة، بديلاً من دولة الإستبداد بأشكالها القديمة والحديثة.

إلا أن هذه المهمة لن تكون سهلة التحقيق. بل هي ستكون بالغة الصعوبة. لكن التأخر في القيام بها سيكون بالتأكيد باهظ الثمن. وستصبح الأحزاب الشيوعية العربية، إذا ما هي استمرت في تخلفها عن القيام بدورها المفترض هذا، حركة هامشية.

على أنني أود، في هذا السياق من الحديث عن الأحزاب الشيوعية العربية، أن أذكر بتاريخ طويل ومجيد لهذه الأحزاب. ويشير هذا التاريخ إلى أن الظروف التي نشأت فيها هذه الأحزاب كانت ظروفاً صعبة. فقد تحكمت بتكوينها منذ البدايات في صيغة معينة، وتحكمت بأدوارها بعد النشوء، ظروف انتمائها إلى الأممية الشيوعية. لنتذكر أنها ولدت مباشرة في أعقاب ثورة أوكتوبر، أي ابتداء من العام 1919 (الحزب الشيوعي الفلسطيني) والعام 1921 (الحزب الشيوعي المصري) والعام 1924 (الحزب الشيوعي اللبناني - السوري). ثم تواصل نشوء الأحزاب الأخرى منذ نهاية العشرينات ومطلع الثلاثينات حتى مطلع الخمسينات من القرن الماضي. لكن قراءة معمقة لتاريخ بلداننا تؤكد بأن ولادة هذه الأحزاب لم تكن مرتبطة حصراً بثورة اوكتوبر. وهو ما أشرت إليه في مطلع هذا البحث. بل إن لهذه الولادة جذوراً تمتد من الربع الأخير من القرن التاسع عشر حتى ثورة أوكتوبر في عام 1917.

فالأفكار الإشتراكية كانت قد بدأت تدخل إلى بلداننا منذ ذلك التاريخ. وتكوّنت أحزاب وحركات حملت بصيغ مختلفة فكرة الإشتراكية. وبرز في خطابها التأثر بأفكار ماركس، بوضوح أحياناً وبوضوح أقل أحياناً أخرى. ولذلك يمكن اعتبار هذه الأحزاب في صيغة من الصيغ، ربما بشيء من التقدير المبالغ فيه، بمثابة تواصل مع فكر النهضة عموماً، و مع الفكر الإشتراكي الذي عبّر عنه بعض رواد حركة النهضة، في شكل أكثر تحديداً. وبهذا المعنى فإن هذه الأحزاب قد شكلت في ولادتها تعبيراً عن تقدم كبير في فكرها غير مسبوق في العالم العربي.

إلا أن الخلل الأكبر إنما جاءها من خارجها في شكل التدخل الذي بلغ حد الفظاظة أحياناً من قبل الأممية الشيوعية، لا سيما بعد وفاة لينين. إذ أن موفدي الأممية إلى هذه الأحزاب قد فرضوا عليها شكلاً معيناً من التنظيم. كما فرضوا عليها فكراً معيناً هو الفكر الماركسي في شيء من المبالغة، تجاوز الواقع الذي كان قائماً. كما فرضوا عليها إسماً معيناً هو إسم الحزب الشيوعي بدلاً من أسماء أخرى كان يمكن أن تكون أكثر تلاؤماً مع ظروف بلدانها ومجتمعاتها المحافظة. والمثل البارز في هذا المجال هو ما حصل في الحزب الشيوعي اللبناني السوري الذي فرض عليه مندوب الأممية، ومن بعده المؤتمر السادس للكومنترن، الإلتزام باسم الحزب الشيوعي بدلاً من حزب الشعب، الذي كان المؤسسون قد بدأوا يقومون بنشاطهم السياسي والإجتماعي باسمه.

وهو ما حصل، في أمور أخرى، في مراحل التأسيس، في الحزب الشيوعي الفلسطيني وفي أحزاب شمال أفريقيا، المغرب والجزائر وتونس. ولن أتحدث عن أشكال التدخل الفظة في الستينات والسبعينات من القرن الماضي من قبل المركز الأممي المتمثل بالإتحاد السوفياتي تجاه عدد من الأحزاب الشيوعية. وكان هذا التدخل فظاً وبالغ السوء في نتائجه. وباستثناء الحزب الشيوعي اللبناني الذي قاوم التدخل وانتصر عليه، فقد كان من ضحايا هذا التدخل الفظ الحزب الشيوعي السوري والحزب الشيوعي السوداني والحزب الشيوعي الأردني الفلسطيني. وقد صعّب هذان الخللان على هذه الأحزاب مواجهة مهمة النضال من أجل الإستقلال وبناء دول حديثة، برغم الدور الطليعي الذي اضطلعت به بعض هذه الأحزاب في معركة إستقلال بلدانها.

أقول ذلك مع التنويه بالمعارك الكبرى التي خاضتها هذه الأحزاب، وبالتضحيات الكبرى التي قدمتها في نضالاتها المختلفة للتغيير في بلدانها. ولأنها كانت أحزاباً علمانية، بالنظر الى الفكر الذي استندت إليه، فإنها لم تستطع أن تواجه السلفية الدينية التي كانت قد بدأت تبرز بقوة في بلداننا منذ عشرينات القرن الماضي. ولم تستطع ان تتعامل بشكل صحيح مع الظاهرة الدينية، رغم أن دساتيرها وأنظمتها الداخلية خلت من أي شرط يتعلق بالإلتزام بالموقف من المادية الماركسية، وخلت من أي حذر يتعلق بانتماء المؤمنين إلى هذه الأحزاب. ذلك أن الشرط الأول والأخير للإنتساب إلى الأحزاب الشيوعية، وفق هذه الدساتير والأنظمة الداخلية، كان الموافقة على البرنامج السياسي للحزب والإنتظام في إحدى خلاياه.

إلا أن ارتباط هذه الأحزاب عضوياً بالأممية الشيوعية قد جعلها تواجه صعوبة حقيقية في التحالف مع الأحزاب والحركات القومية . إذ كان انتماؤها الأممي يجعلها في لحظات معينة في تعارض شكلي وغير جوهري مع انتمائها الوطني والقومي. وإذ أؤكد هنا على التعارض الشكلي بين الأحزاب الشيوعية والأحزاب القومية في المسألة الوطنية، فلأنني أريد تأكيد أن الأحزاب الشيوعية كانت دائماً في مواجهة القضايا الوطنية في بلدانها أحزاباً وطنية في أرقى الأشكال، فكراً وممارسة ونضالاً وتضحيات. وعلينا هنا ألا نغفل واقعاً تاريخياً يتمثل في أن القوى القومية، بعامة، برغم علمانية بعض أطرافها، كانت قوى محافظة، وكانت تتمسك بالأفكار السائدة وتتبنّى مواقف معارضة، من حيث المبدأ، للشيوعية كفكر وكمشروع سياسي. وكانت تتعارض تالياً مع الأحزاب الشيوعية وتتمايز عنها باسم القومية.

خلاصة ما أريد قوله هو أن الأحزاب الشيوعية، إذا هي لم تتحرر في شكل طبيعي وواقعي وغير مفتعل من كل ما ارتبط من خلل في تاريخها وفي تاريخ الحركة الشيوعية العالمية وفي تاريخ التجربة الإشتراكية المنهارة، وإذا هي لم تحدث تغييراً جذرياً في أوضاعها التنظيمية والسياسية، وإذا هي لم تأخذ في الإعتبار أن العالم قد تغير وأن المشروع الإشتراكي قد انكفأ، وأن هذا المشروع هو بحاجة إلى إعادة صياغته في شروط العصر، وأن الأزمة السياسية والإقتصادية والإجتماعية في بلدانها تزداد تفاقماً، إذا هي لم تأخذ هذه الأمور كلها في الإعتبار وتتعامل معها بواقعية وبأفق مستقبلي، فإنها لن تستطيع أن تستعيد دوراً سابقاً ارتبط بتاريخها، ولن تستطيع أن تلعب الدور الجديد الذي تطمح إليه. وهو طموح لا يستند راهناً إلى مقومات عملية. وهذا الدور المفترض والمؤمل أن تلعبه هذه الأحزاب هو ذاته الدور الذي تعبّر عنه الأفكار الإشتراكية، أفكار ماركس، وتدعو إليه وتبشر به رغم انهيار التجربة الأولى في التاريخ التي حملت اسم هذا المفكر العظيم، التجربة التي شوّهت أفكار ماركس وبدّدتها.

وغنيّ عن التأكيد بأن المهمات المطروحة أمام هذه الأحزاب، باسم مرجعيتها الإشتراكية، وباسم الواجب الوطني الملقى عليها، إنما تتلخص، أولاً وقبل كل شيء، في النضال مع سائر القوى الديموقراطية لتحرير بلداننا من أنظمة الإستبداد القائمة بصيغها المختلفة، وإقامة أنظمة ديموقراطية حديثة بديلاً منها. وهي مهمة تستدعي بالضرورة العمل على تعميم ثقافة الديموقراطية، بدءاً بالوضع داخل هذه الأحزاب ذاتها، وصولاً إلى المجتمع والدولة ومؤسساتهما. المهمة الثانية هي النضال بكل الوسائل دفاعاً عن استقلال بلداننا في وجه كل أشكال التدخل الخارجي في شؤوننا، والعمل لمنع تدخل الدول العربية الكبيرة في بلداننا في شؤون الدول العربية الصغيرة، تحت شعارات زائفة، ومنها بالدرجة الأولى شعار الوحدة القومية الذي يستخدم للهيمنة أولاً ودائماً. أما المهمة الثالثة فهي تتلخص ببذل الجهد من أجل صياغة برامج وطنية للتنمية الإقتصادية والإجتماعية، مقترنة ببرامج تعطي للتعليم بمراحله المختلفة وظيفة ثقافية وتنموية بكل المعاني. وثمة مهمات أخرى ذات صلة بهذه المهمات ومكملة لها.

تلك هي باختصار أفكاري حول ما أعتبر أنه مهمات ينبغي أن تضطلع بها أحزابنا الشيوعية العربية لكي تخرج من حالة التهميش التي هي فيها، ولكي تستعيد دوراً كان لها في الماضي، وهو لا يزال دورها في المستقبل إذا هي وعت ذلك بعمق، لكن في شروط العصر الجديد وليس خارج هذه الشروط.





كريـم مروّة

annahar alyouam
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://ysar.hooxs.com
 
أي مستقبل للأحزاب الشيوعية العربية ؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اليسار التقدمي اليمني :: صالة الجاوي-
انتقل الى: