اليسار التقدمي اليمني
كي نرى النور
ساعدني في دفع الظلام قليلاً
أو إمنع عني مخاوفك.
...
حينما أكون واضحاً
أفضل السير مع الأمل بعكازين
على إنتظار طائرة الحظ
والظروف المواتية.

اليسار التقدمي اليمني

منتدى ثوري فكري ثقافي تقدمي
 
الرئيسيةالرئيسية  رؤى يسارية..منترؤى يسارية..منت  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  دون رؤيتك  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مكتبة الشيوعيين العرب
12/12/14, 08:24 am من طرف communistvoice

» سؤال عادل ...
05/01/14, 04:50 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» ماذا يهمك من أكون
05/01/14, 04:38 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» حقيبة الموت
05/01/14, 04:30 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» ثوابت الشيوعية
05/01/14, 04:22 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» جيفارا..قصة نضال مستمر
05/01/14, 04:15 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» مواضيع منقولة عن التهريب
07/10/13, 05:10 pm من طرف فاروق السامعي

» الحزب الاشتراكي اليمني مشروع مختطف وهوية مستلبة وقرار مصادر
14/09/13, 05:42 pm من طرف فاروق السامعي

» صنعاء مقامات الدهشة أحمد ضيف الله العواضي
13/09/13, 04:30 pm من طرف فاروق السامعي

» حزب شيوعي لا أشتراكية ديمقراطية
19/03/13, 05:18 pm من طرف فاروق السامعي

» المخا..ميناء الأحلام ومدينة الكوابيس فاروق السامعي
15/03/13, 03:39 pm من طرف فاروق السامعي

»  قضية تثير الجدل: حجاب المرأة : 14 دليل على عدم فرضيته
20/10/12, 05:56 pm من طرف فاروق السامعي

»  "ضرب الحبيب..معيب"/ حملة ترفض العنف ضد المرأة
20/10/12, 05:40 pm من طرف فاروق السامعي

» "عذريتي تخصّني"، نداء تضامن مع نساء من العالم العربي ريّان ماجد - بيروت - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "
20/10/12, 04:22 pm من طرف فاروق السامعي

» حركة التحرر الوطني التحرر الوطني طبيعتها وأزمتها _ مهدي عامل
06/10/12, 07:07 pm من طرف osama maqtari

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
سحابة الكلمات الدلالية
تسقط دفاعا العقلانية يا السياسية السامعي عن فاروق التونسية المشترك تاج شهيد المرأة لست النهار العرطوط
منتدى

 

في العدد القادم من مجلة صيف

 

 

 واقع ومصير اليسار اليمني ومآلات الخطاب الحداثي الذي كان يمثله اليسار على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، وما الذي جعله ينكسر ويتراجع في أفق اللحظة اليمانية الراهنة بكل ملابساتها

 

والمشاركة مفتوحة لكل الكتاب حول هذا الملف الهام

خلال أقل من 3 اسابيع
بريد المجلة
sayfye@gmail.com


شاطر | 
 

 التنوعيّة في قصة (السردوك) لكمال عيادي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
رؤى



عدد المساهمات : 92
تاريخ التسجيل : 14/08/2010

مُساهمةموضوع: التنوعيّة في قصة (السردوك) لكمال عيادي   11/10/10, 04:53 pm






التنوعيّة في قصة (السردوك) لكمال عيادي




محمد داني

- المتن القصصي:
السردوك*
قال لي : – نفسي كريهة وقلبي حزين .
- سلامتك , قلت . مالك ؟
قال : أفكر في هذه الدنيا فأهيج . أمرها عجيب والله . تصور أنني لم أبك منذ أكثر من أربعين سنة . مرت علي أهوال وأهوال .علقوني وأنا مكور بين طاولتين . كتفوني بعصا وأطفؤوا – سجائر – في لحمة مؤخرتي , ولم أبك .
مات أبي وهو منتصب العود , كان أعز علي من نفسي , وكان حبيبي , ولم أبك . جاؤوني وأنا عند إحداهن , أهم بها . دقوا على الباب , وكانوا رفقة لي , فلم أفتح . داروا إلى الشباك حيث موضع يعرفونه , وخبروني بأن أبي قد مات , فرفعت رأسي , ثم عدت إلى فريستي ألهث مثل عجول البحر وأنهيت غرضي ثم طيبت خاطرها , وهي لا تكاد تصدق بأنها تخرج من تحتي . ظلت المسكينة تنظر صوبي وهي مذعورة , وتخلط في ملابسها , فلا هي تعرف أين فتحة الرقبة , ولا أين مدخل السروال. أما أنا فقد كنت أشرب ماءا باردا.
كنت في ذلك الوقت أكره التدخين . لعنة الله على التدخين.
إطلاقا لم أبك . حتى و- صبيحة – تموت . كانت زوجتي الأولى التي حاربت الدنيا من أجلها . ماتت قدامي وهي تلد بكر أولادي . سمعت -أمك محسونة – تناديني من داخل الغرفة الموصدة بصوت مذعور . دخلت , فوجدتها تصيح وتخبط فخذيها بكفيها الملطختين بالدماء كانت تولول وزوجتي علي بطنها . صفراء كالليمون . نظرت هناك . كان رأس ابني يطل أزرق مختنقا. أصابعه ديدان منتفخة , تتحسس الملاءة . وكتفه مائل . نصفه إلى الفراش ونصفه الآخر محصور فيها . جثوت على ركبتي ووضعت أنفي على فمها. ثم صحت بأمك محسونة قائلا : اخرجي الطفل يا عاهرة …صبيحة ماتت .
صبيحة زوجتي بكتها كل النساء . ومن عرفها من الرجال بكاها . ولكنني كنت الوحيد الذي لم يبك . جاءني خالها وهي لا تزال مسجاة بعد غسلها . وسألني فيما إذا كنت قد تكلمت مع المقرئين للقراءة على جثمانها , فأجبته بأنني سأخطب أختها الصغرى . الولد يحتاج إلى أم -قلت له – . نظر إلي وكأنه لا يصدق ما يسمع ورفع يمناه إلى فوق وهو يشهق بالبكاء وقال لي بأعلى صوته : – ‘‘ يلعن تالله عليك ’’.
سحب نفسا من سيجارته , ولما طال سكوته قلت له :- ‘‘ ولكنك كنت على حق يا سردوك .
الصبي كان يحتاج إلى أم .’’
توقف عن دحرجة علبة الثقاب بسبابته على الطاولة , ورفع رأسه إلي , ثم رسم على وجهه ابتسامة أعرفها وصاح وهو يضرب كتفي : ‘‘يلعن تالله عليك ’’ .
- لماذا يلقبونك -بالسردوك- ؟!… سألته.
بصق حثالة التبغ التي علقت بلسانه , ونظر إلى الوراء . فلما تأكد بأن النادل لم يره , وضع السيجارة الملفوفة بين شفتيه وأغمض عينه اليسرى وهو يجحظني باليمنى , وقال :
- تلك حكاية طويلة . ثم راح يضحك .
اسمع . سألني الكثير عن سر هذا الاسم . وكنت دائما أجيب بأنهم سموني -السردوك- لأنني كنت تماما مثل -السردوك – … نحيفا وشجاعا , وأحوم دائما حول الأنثى ولا أعاف .
سحب نفسا آخر من السيجارة القصيرة التي كادت تنتهي مع النفس الثاني , وواصل :
-ولكن الحكاية غير ذلك تماما . ضحك ثانية.
الحكاية أنني سرقت -سردوك -…!
- حدث ذلك وأنا طفل صغير . قبل ذلك كان عندي أيضا لقبا آخر . -علي رطل-. كانوا يسمونني علي رطل . أولا لأن أسمي الحقيقي علي . وثانيا لأنني كنت نحيفا جدا كعود زيتون . ولأن جدي سبني بهذا الاسم . وقبلها كانوا يسمونني المحروق . لأن أمي تعثرت وهي تحمل آنية الزيت الساخن وقد كانت تريد إنزاله من فوق – وابور الغاز- . وسقط علي وأنا أحبو مثل جرو تحتها . فسلخ جلد صدري والتصقت جلدة إبطي , وبقيت لمدة طويلة لا أتحمل السراويل الداخلية بسبب الحروق . ولم أتخلص من هذا اللقب الكريه إلا حين سمع أولاد الحي جدي وهو يجري ورائي ويسبني قائلا : ‘‘ يا فرخ الحرام … يا فرخ الحرام…يا رطل .’’
ومن يومها سموني -علي رطل -.
حتى كانت حكاية -السردوك-.
حدث ذلك بالصيف . شهر أغسطس على ما أذكر . وأنت بالتأكيد لا تعرف ماذا يعني شهر أغسطس في مدينة مثل مدينة القصرين . جحيم أزرق .
خرجت أبحث عن شيء أسرقه. كان لي من العمر عشر سنوات , ولكنني كنت أموت إذا مر يوم ولم أسرق شيئا … أي شيء . خاتم أمي سرقته . وقبله بعت كل الكؤوس التي كانت أختي اشترتها كنواة لجهازها .
يقولون بأنني ولدت سارقا . لأنني , كنت دائما – وأنا طفل رضيع – ألم أي شيء أجده قريبا مني . حذاء…قميص متسخ … قارورة …أي شيء . يقولون بأنني كنت أجمع تلك الأشياء , وآخذها إلى موضع تحت السرير , ويظل الآخرون يبحثون عن أشيائهم حتى ينهارون . وتحكي جدتي بأنها نزعت قرطها الذهبي مرة, ووضعته على الوسادة . ولما كانت تنزع الآخر , حبوت إليها وأخذت القرط , وخبئته كعادتي تحت السرير . وقد ظلت تبحث عنه حتى أنقطع نفسها من القهر , وكانت تخبط رأسها كالمجنونة.وعندما رجع والدي من العمل , نادى اخوتي , وكان يأخذهم واحدا , واحدا إلى غرفة مجاورة فيوثق أياديهم وأرجلهم
ويظل يضربهم حتى يغمى عليهم . بكى اخوتي كثيرا بعد ذلك , وحلفوا بأنهم لا يعلمون شيئا عن القرط .
تقول جدتي , بأن جارة لنا , جاءت في اليوم التالي إليها تطيب خاطرها , وتعدها بالذهاب معها إلى عرافة تعرفها , تعرف الغيب , وتخبر عن الإبرة أين موضعها . وكان لجارتنا هذه ابنة رضيعة , في الشهر الرابع أو الخامس من عمرها , جاءت بها معها , ووضعتها على الحصير المفروش إلى الأرض قربها وهي تحادث جدتي وانتبهت الجارة فجأة إلى أنني أخرج من الغرفة المقابلة وأنا أحبو بطريقة أنكرتها , فظلت تتابعني بنظراتها , حتى رأتني وأنا أخرج القرط من تحت أصابعي
وأضعه تحت رقبة ابنتها الرضيعة .
بقيت جدتي سنوات تحكى لمن تعرف ولا تعرف حكاية القرط هذه . حتى عرفني كل الجيران وتناهى خبري إلى أطراف القصرين , وتحدث به الرجال بالمقاهي .
وظلت جدتي تلعنني حتى أخذها الله . وكانت وهي على فراش الموت لا تذكر الله كما يفعل البشر , وإنما كانت تقول بأن الله سيغفر لها ولكل فرد في عائلة المثلوثي
- وهذا عرشنا – بهذا الولد الملقوط , لان الله لا يعاقب مرتين . هكذا كانت تقول .
كانت جدتي عجوز خرقاء . وأعتقد بأنها كانت السبب في كل المصائب التي صبها الزمن فيما بعد على رأسي . عمدتني بفضائح لا ذنب لي فيها … وكانت تتابعني وتتربص بي ولا يهدأ لها بال حتى تراني وأنا آتي أمرا تراه مكروها وتمسكني متلبسا . وهات يا ضرب وهات يا بصاق وفلفل أحمر .
كانت أمي هي التي تضع الفلفل الأحمر الحارق في عيني , وأخي صالح يوثقني إلى السرير , وجدتي تبصق ,على مرأى من بقية أخوتي , في وجهي. أما أبي المغلوب على أمره فقد كان يكتفي بالخروج إلى المقهى القريب.
حكايات الطفولة غريبة والله . قال وهو يلف لنفسه سيجارة . بصق إلى الأرض ثانية وهو يترصد النادل دون أن يدير رأسه . عيناه تدوران في كل اتجاه . يستطيع إخفاء – بؤبؤ – عينيه حتى تحسبه مخلوق بلا – بؤبؤ -! … وجهه نحيل ممتص , جلد على عظم , وشاربه ما زال أسود مثل الفحم رغم عمره المجهول
والذي تجاوز الخمسين بكل تأكيد . عليه ضحكة لا يقلدها من الإنس إنس ولا من الجن جان ! هو لا يضحك كما يضحك الناس . ولا يمكنك أن ترى أسنانه أو لثته وهو يضحك . إنه ينظر إليك أولا , ثم لا تدري إلا وأنت تضحك معه .
يهتز مثل المحرك القديم . يضحك من داخل حلقه فقط . يرتعش شاربه , وتسمع منه صوت مثل صوت الماء المضغوط وهو يخرج من ثقب مسدود .
-أخ…أخ…أخ….أخخخ…..أخخخخ ……أخخخخخخخخخخ ..أخ …أخ .
…..
——————
* السّردوك : يعني الدّيك, بالعامّيّة التونسيّة - التحليل:يقدم لنا الأديب التونسي كمال العيادي قصة قصيرة تحت عنوان(السردوك) ، وأمام غرائبية العنوان، وعجائبيته، نجدنا نتساءل:
- ماذا يعني هذا العنوان (السردوك)؟..
- ما علاقته بالنص القصصي؟.
- هل اختصر النص الحدث؟.. أم أنه عنوان اعتباطي لتوشية النص؟…
- هل يتوفر هذا العنوان على الجاذبية والسحر ليجعل القارئ/ المتقي يلج عالم النص باحثا عن لذته، ومتعته؟..
- هل يستطيع هذا العنوان أن يخلق فاعلية بينه وبين هذا المتلقي؟…
صحيح ،أن العنوان نص للنص…وعتبة لولوجه…وعندما نتمعن في مدلوله، نجد جوابا في تمفصلات النص يخربنا عن مدلوله ومعناه…
( – لماذا يلقبونك -بالسردوك- ؟!… سألته.
بصق حثالة التبغ التي علقت بلسانه , ونظر إلى الوراء . فلما تأكد بأن النادل لم يره , وضع السيجارة الملفوفة بين شفتيه وأغمض عينه اليسرى وهو يجحظني باليمنى , وقال :
- تلك حكاية طويلة . ثم راح يضحك .
اسمع . سألني الكثير عن سر هذا الاسم . وكنت دائما أجيب بأنهم سموني -السردوك- لأنني كنت تماما مثل -السردوك – … نحيفا وشجاعا , وأحوم دائما حول الأنثى ولا أعاف .)…هكذا نجد أن السردوك في اللسان العامي التونسي تعني الديك…
إن الكاتب كمال العيادي أثناء كتابته القصة يفكر في القارئ الضمني… إيمانا منه بإشكالية القراءة/ التلقي/ القارئ…. ولذا في كتاباته القصصية ينوع أساليبه، ليجنب نفسه التكرارية، والرتابة، والنمطية.
ولذا نجده في كتاباته يستلهم مفهوم أرسطو ، والمتمثل في المحاكاة Mimesis، حيث يحاكي الواقع ويتمثله، لأنه يهدف من ذلك إلى إنتاج التطهير Catharsis، من حيث هو رد فعل…ووسيلة يتغياها كي يندمج هذا القارئ/ المتلقي في عملية تطهير من الانفعالات، والتمثلات… والتصورات… والتخيل… وإعلان بناء المكتوب أو المسرود إلى مشاهد وصور ذهنية متخيلة… وهذه الانفعالات تتنوع ما بين الشفقة، والخوف، والتعاطف.. والسخرية.. واللذة…
كما أننا نستشف من كتاباته ، سعيه الحثيث إلى ترسيخ نظرية نجدها في الأدب المسرحي، تنبني على ما يسمى بالأثر التغريبي ، والذي يهدف من ورائه إلى تحرير الكتابة القصصية من آليات التنويم التي نجدها في الكتابة القصصية الكلاسيكية.. وجعل المتلقي يستعمل قدراته العقلية، وإمكاناته الذهنية في التلقي، متفاعلا مع المقروء/ المتن القصصي..
ومن أثر التغريب هذا ن يبقى المتلقي حاضر البديهة… متيقظ الذهن.. وعلى وعي بحضوره في عالم القصة… وعلى وعي بالتأثيرات التي يمارسها النص …
وأثر التغريب ، يتحقق من خلال التنويع في المشاهد السردية، وفي الانتقال من مشهد إلى آخر.. باعتماد تقنية الاسترداد، والتوقيف، والتدخل… وبالتالي ن يصبح مسار الحكي/ السرد لولبيا.. ولا يسير في خطية مستقيمة… وهذا يخلق نوعا من تكسير خطية السرد، ويخلق نوعا من الانزياح في البناء السردي للقصة…
وعندما نقرأ قصته (السردوك)، نجد فيها صدى لبعض مظاهر نظرية الشكلانيين الأدبية.. حيث إن المتلقي ، وهو يواجه النص/ القصة ، يحس فيه بالحياة… ويحس فيها بالأشياء….وهذا يذكرنا بنظرة شلوفسكي والشكلانيين، إلى الفن والإبداع عامة…وحصر مهمتها في إزالة الطابع الآلي عن الاستعمال العادي، والمألوف للغة، ومن ثم تكسير العلاقة بين الدال والمدلول …
ولذا الكاتب كمال عيادي، يريد من القارئ/ المتلقي أن يصارع من اجل بناء المعنى…وهذا الصراع يكتسي طابعا جماليا…
هذا الصراع يتمثل في محاولة إزالة القارئ/ المتلقي للخلخلة التي يحدثها تلقيه للقصة.. وتقنية بنائها…وعرضها للصور الاجتماعية، والإنسانية الحية…
كما أننا نجد التغريب في شكل الانزياح الموظف في القصة، والذي هو نوع من الترهين actualisation، الذي يحيل على انحرافات صورة البطل في القصة العربية…
فهو يقدم لنا بطلا/ شخصية فريدة من نوعها… تختلف عن النموذج الكلاسيكي.. شخصية تمتاز بنوع من الشذوذ الخلقي.. لا تتصف بالوسامة، ولا بالسلوك القويم، والسوي.. وبالتالي تقدم للقارئ / المتقي إنسانا / شخصية عادية، متحولة جراء ظروف، ومعايشات…لها حقيقتها ومثالها في الواقعSad تصور أنني لم أبك منذ أكثر من أربعين سنة . مرت علي أهوال وأهوال .علقوني وأنا مكور بين طاولتين . كتفوني بعصا وأطفؤوا – سجائر – في لحمة مؤخرتي , ولم أبك .
مات أبي وهو منتصب العود , كان أعز علي من نفسي , وكان حبيبي , ولم أبك . جاؤوني وأنا عند إحداهن , أهم بها . دقوا على الباب , وكانوا رفقة لي , فلم أفتح . داروا إلى الشباك حيث موضع يعرفونه , وخبروني بأن أبي قد مات , فرفعت رأسي , ثم عدت إلى فريستي ألهث مثل عجول البحر وأنهيت غرضي ثم طيبت خاطرها , وهي لا تكاد تصدق بأنها تخرج من تحتي . ظلت المسكينة تنظر صوبي وهي مذعورة , وتخلط في ملابسها , فلا هي تعرف أين فتحة الرقبة , ولا أين مدخل السروال. أما أنا فقد كنت أشرب ماءا باردا.)…
ومن هنا يصبح هذا الانزياح / الترهين نوعا من الجمالية.. نوعا من الدفع بالمتلقي/ القارئ، إلى الشعور بثقل ومأساوية الوضعية الوجودية المعيشة…وهذا يجعلنا نتساءل:
- هل يقدم كمال عيادي قصصا من الحياة العادية… وبالتالي تصبح قصصه نوعا من كتابة الكرونيك؟…
إنه يقدم لنا في هذه القصة(السردوك) وضعية إنسانية مفجعة، وضعية تعاسة…تتسم حياة شخصيتها بالفوضى… وهذا يولد فينا الرغبة في البكاء.. والتأسف.. والضحك…( كانت جدتي عجوز خرقاء . وأعتقد بأنها كانت السبب في كل المصائب التي صبها الزمن فيما بعد على رأسي . عمدتني بفضائح لا ذنب لي فيها … وكانت تتابعني وتتربص بي ولا يهدأ لها بال حتى تراني وأنا آتي أمرا تراه مكروها وتمسكني متلبسا . وهات يا ضرب وهات يا بصاق وفلفل أحمر .
كانت أمي هي التي تضع الفلفل الأحمر الحارق في عيني , وأخي صالح يوثقني إلى السرير , وجدتي تبصق ,على مرأى من بقية أخوتي , في وجهي. أما أبي المغلوب على أمره فقد كان يكتفي بالخروج إلى المقهى القريب.).
ومن خلال هذا السرد الموظف نكتشف وهمية عالمه…وعبثية سلوكه، ومدى التشتت النفسي الذي يعيشه.. والفراغ والانهيار القيمي الذي أصبح يطبع سلوكه ، وحياته… فما يسعف أمام كل هذا الشرخ، إلا الضحك على هذه الوضعية الإنسانية، المفجعة… والعبثية… والتعيسة.
إن قصة(السردوك)، لا تخلو من سخرية، والتي يجعلها رهانا من رهانات الكتابة لديه… وهذه السخرية التي تطبع كتابته:” تدل من حيث هي مكون للجنس الأدبي (…) على أن الذات المعيارية، والمبدعة تنشطر ذاتيتين: إحداهما هي تلك التي تجابه، من حيث هي طوية،القوى المركبة الغريبة عنها.. وتجهد في سبيل جعل محتوياتها نفسها تخيم على عالم غريب. والأخرى هي التي تكتشف الطابع التجريدي لعالمي الذات والموضوع، وبالتالي طابعهما المحدود” …
إن السارد يسخر من الماضي، ومن صوره التي تتراءى له في الحاضر والراهن…وكلما استحضرها إلا وسخر منها…إنه يعيش حالة توتر بين حاضره وماضيه.. فالماضي عنده قيد.. ومأساة…والحاضر عنده حرية.. فالماضي الذي يستعرضه، والمتمثل في صور طفولة معذبة عانت الإذلال، والتنقيص.. والتخجيل…وتكسير النفس…
(حكايات الطفولة غريبة والله . قال وهو يلف لنفسه سيجارة . بصق إلى الأرض ثانية وهو يترصد النادل دون أن يدير رأسه . عيناه تدوران في كل اتجاه . يستطيع إخفاء – بؤبؤ – عينيه حتى تحسبه مخلوق بلا – بؤبؤ -! … وجهه نحيل ممتص , جلد على عظم , وشاربه ما زال أسود مثل الفحم رغم عمره المجهول
والذي تجاوز الخمسين بكل تأكيد . عليه ضحكة لا يقلدها من الإنس إنس ولا من الجن جان ! هو لا يضحك كما يضحك الناس . ولا يمكنك أن ترى أسنانه أو لثته وهو يضحك . إنه ينظر إليك أولا , ثم لا تدري إلا وأنت تضحك معه .
يهتز مثل المحرك القديم . يضحك من داخل حلقه فقط . يرتعش شاربه , وتسمع منه صوت مثل صوت الماء المضغوط وهو يخرج من ثقب مسدود .
-أخ…أخ…أخ….أخخخ…..أخخخخ ……أخخخخخخخخخخ ..أخ …أخ .)..
والقصة(السردوك)، تقوم في سردها على مبدأين حاملين للبناء التركيبي للقصة… هما: مبدأ التقاطع، ومبدأ التقعير….ويتجليان من خلال التوازي والتقابل بين فضاءين مؤطرين لمتذكر السرد: فضاء الصبا والطفولة، وما يحمله من صور المعاناة، والعقاب، والتشديد والعذاب…
وفضاء الكهولة (50 سنة عمره)، وما يحمله من تذكر قاس، وساخر للماضي.. وشخوصه (الجدة- الأم- الوالد- الأخوة)… وعبر تقاطع هذين الفضاءين يتوزع الحكي…ويتوالى السرد.. ويتخلله الاسترجاع، والعرض، والتعليق.. والانتقاد…
كما أن المشاهد تطلع بتقديم خطاب تهكمي مفرط في النقد، والسخرية.. فهو ينتقد الواقع الاجتماعي.. والتربوي.. ويسخر من التنشئة الاجتماعية العربية، المبنية على العقاب – كما أسلفنا- والإذلال، والتحقير، وكسر المعنويات… وبذلك تصبح الكتابة القصصية عنده ” أداة نقد وأداة إنتاج معرفة، وصياغة تخييل” …
ومن ثم نجد هذا السارد والذي هو في الخمسين من عمره، يسقط قناعه من خلال الحكي، والتذكر، والاسترجاع، والإجابة على الأسئلة الموجهة إليه…
إن كمال عيادي، من خلال كتاباته القصصية، يبني تصوره الخاص للواقعية والواقع.. حيث إنه ضد الفهم التبسيطي الساذج للواقعية في كتابات العالم العربي.. لسلبية هذا افهم وانعكاسها على مجرى تطور الوعي الفني، والنظري مما ينتج عنه كثير من المزالق، والملابسات …
الشيء الذي يدفعه عند الكتابة إلى تمثل قول الأديب المغربي أحمد المديني:”إن إحدى المثالب الكبرى في المادة الروائية والنقدية العربية، التي رافقتها ، جاءت نتيجة فهم أو تأويل ضحل وتوثيقي لنظرية الانعكاس ، ولمفهومي المحاكاة والواقعية، دون أن يتم التساؤل: بأي واقعية يتعلق الأمر، وبالاستفسار عن مفهوم الواقع نفسه؟.. وهل القصد هو واقعية الشخوص والنماذج، والأنماط الروائية، أم واقعية الأحداث والوقائع.. وعموما المسار الحدثي أو واقعية الممكن والمحتمل في النص” …
ولذا كمال عيادي يكتب من واقعيته الخاصة.. ومن فهمه الخاص لها، حيث يرى أن”الواقعية هي كتابة الاحتمالات في معاينة أو معاناة أو قراءة الواقع المعيش. وإن تنوع المعالجة وضروب القراءة ينتج بالضرورة عدة مستويات لهذا الواقع، ويلغي بالنتيجة وحدته المزعومة، وانسجاميته المفترضة. وهذه العملية التي تخلق تعدد المستويات تسمح بالإمكانية الخلاقة للواقع الذي يتجدد باستمرار من زاوية رؤيا العالم(…) من منظور الفنان الذي يعيش كفردية..أجل يعيش بهذه الفردية المتوحدة وإلا فهو ليس بفنان..قمة العزلات التي تستوعب حلبة العالم في صمت اللغة الهادرة، والصورة الحبلى بسلالة المتخيل..
ثم تسمح هذه العملية من نحو آخر، بإنتاج مستويات مختلفة في الكتابة الإبداعية، وفقا للجنس المطروق. فالأساليب وتقنيات السرد في المحكي(…)تتعرض لمناوبات من التبدل والتولد تبعا لطبيعة التجربة المرصودة، والزاوية المنظورة. ثم إن علينا أن نتحدث عن مستوى ثالث ينجم عن المستويين السابقين لنسميه جدل الكتابة” ..
ومن خلال هذا المنظور ، تتميز كتابته بواقعيتها الاجتماعية،وواقعيتها النقدية…بالإضافة إلى واقعية الكتابة.. أو كما يسميها أحمد المديني بالنصية المطلقة، وبالتالي يعتبر :”الشكل هو مضمونه ، والمضمون هو شكله في الآن عينه” …
والكتابة تتمظهر في قصة/ إطار يحتوي مسار السرد، وسيرورته.. فنجد شخصية راو، متعدد الأقنعةSadأنا الكاتب؟…أنا السارد؟..أنا الراوي؟..هو المتكلم والمجيب…)، ” تضطلع بتحديد فضاءات المحكي وفق صوغ أسلوبي متنوع” …
ومن ثم يتجاذب المحكي.. وتتحرك صيغ ضمائره، وتتعدد (المتكلم- المخاطب- الغائب)، يقوم هذا الراوي محكيا نجد فيه حدثا يستند إلى حامل بؤري من صفته المحاورة….
فقصة (السردوك) تقدم لنا موقفا إنسانيا، يعرف حالة انشطار وتشظ… حيث من خلال هذا الانشطار نتعرف مواقف أخرى عارضة.. استعانت الشخصية المحورية في عرضها على التذكر والاستحضار، والعرض…
إن القصة عبارة عن محاورة بين السارد والشخصية المحورية (السردوك).. وبالتالي تصبح بنى النص ذات دلالة حجاجية وإقناعية.
إن السارد يسأل الشخصية المحاوَرة عن حالها.. والتي كانت في حالة قلق، واضطراب، ولا توازن نفسي.. فيجد المحاوَر نفسه ملزما بالحكي… عن حاله.. وظروفه ، وطفولته وماضيه.. ليزيل اللبس، ويقنع المحاوِر…ويعطيه صورة مقنعة عنه …
ومن خلال الحكي نكتشف أن هذه الشخصية غير سوية…شخصية مرضية، فصامية…جافة في عواطفها.. صلبة في علاقاتها.. متحجرة في أحاسيسها.. . وتحاول أن تقنع محاورها بأن ذلك راجع إلى التربية التي تلقاها ن والظروف التي عاشها، والبيئة التي نشأ فيها…
ثم نعرف سبب تلقيبه بالسردوك، وبعلي رطل.. وبالمحروق…
وعندما نقف إلى النص وتشكلاته، نجده ينبني على سؤالين اثنين، واللذان يشكلان بؤرة النص…
إنهما حاملان لتداعيات الحكي، وسيرورة السرد… وهذان السؤالان هما:
- سلامتك، قلت : ما بك؟…
- لماذا يلقبونك بالسردوك؟.
هكذا نرى أن السؤال المثير، يجعله في موقف تأمل وتمعن، ثم تأتي الإجابة مبنية على الاستذكار والاسترجاع.. من هنا يصبح المحكي منشطرا إلى عالمين:
1- عالم خارجي،(الأسئلة- المحاور- ضحكة- فضاء المقهى- الوالدين- الإخوة)…
2- عالم داخلي ، يقوم على التذكر والاسترجاع، والتأمر، والسخرية ، والضحك ..
ويصوغ عالميه معتمدا سردا هجائيا narration satirique…
وعندما نتمعن في هذا المقطع السردي المأخوذ من قصة (السردوك):” بصق حثالة التبغ التي علقت بلسانه , ونظر إلى الوراء . فلما تأكد بأن النادل لم يره , وضع السيجارة الملفوفة بين شفتيه وأغمض عينه اليسرى وهو يجحظني باليمنى , وقال :
- تلك حكاية طويلة . ثم راح يضحك “.
نلاحظ أن هناك فعلا في هذا المقام الكلامي، التلفظي… ولذا نجد السارد يعطينا صورة للشخصية المحاوَرة، وحالتها وهي تتلقى السؤال وتستعد للرد والإجابة…
كما نتبين من خلال المشاهد والصور أن هذا السردوك فهم أن:”التطويع التلفظي لا يؤدي وظيفته إلا إذا وعى المتلفظ بأهمية الكلام وأبعاده التواصلية في إدراك المراد.. وبضرورة صياغته على قدر فهم وفعل المتلفظ له، وباحترام مقتضيات الأحوال وطقوسها” …
لذا جاءت في النص القصصي أفعال تعبر أن المقام الكلامي سيتطلب عملا مناسبا من السردوك… وهذه الأفعال تختزن مشاهد تشي، بحال المحاوَر، وهي: (يبصق- نظر- تأكد- وضع- أغمض- يجحظني- قال- راح يضحك)…
وبالتالي كانت هذه الأفعال منه عملا مقاصديا intentionnel،يريد من خلالها ان يبين عن جدية محاورته، ورغبته في الإقناع.. والبرهنة.. والحجاجية…
إنه يتخذ موقفا ملائما ن مستعينا في محاولة رده وإجابته على هذه الأفعال…
والسؤال المطروح: ما نوعية الشخوص الموظفة في القصة؟ وهل تتضمن القصة فضاء زمنيا ومكانيا؟…
إن قصة (السردوك) ، تتوفر على شخصيتين محوريتين، تقومان ببناء القصة…وتساعدهما في تصعيد درامية النص بعض الشخوص الهلامية العارضة…
ومن الشخوص المحورية السارده/ المحاوِر، والذي يتخفى الكاتب وراءه، ويطرح أفكاره وسؤاله من ورائه…وهو متحكم في سيرورة السرد…ومجريات الخطاب…
أما الشخصية الثانية،الفاعلة في النص، فهي شخصية السردوك…وهي شخصية تتصف بحزنها، وضيق نفسها، وكثرة تفكيرها… وصراعها النفسي.. في الخمسين من عمرها…قاس القلب.. جاف العواطف… متحجر الأحاسيس… منذ أربعين سنة ونيف ، لم يبك قط، رغم أنه مر بمواقف، وأزمات، ومحن، وظروف تتطلب البكاء…لكنه لم يبك، ولم يذرف دمعا…وقد وردت أوصاف له في النص لخصت كل حياته وحالته وشكله:” عيناه تدوران في كل اتجاه . يستطيع إخفاء – بؤبؤ – عينيه حتى تحسبه مخلوق بلا – بؤبؤ -! … وجهه نحيل ممتص , جلد على عظم , وشاربه ما زال أسود مثل الفحم رغم عمره المجهول
والذي تجاوز الخمسين بكل تأكيد . عليه ضحكة لا يقلدها من الإنس إنس ولا من الجن جان ! هو لا يضحك كما يضحك الناس . ولا يمكنك أن ترى أسنانه أو لثته وهو يضحك . إنه ينظر إليك أولا , ثم لا تدري إلا وأنت تضحك معه .
يهتز مثل المحرك القديم . يضحك من داخل حلقه فقط . يرتعش شاربه , وتسمع منه صوت مثل صوت الماء المضغوط وهو يخرج من ثقب مسدود .
-أخ…أخ…أخ….أخخخ…..أخخخخ ……أخخخخخخخخخخ ..أخ …أخ .)..”
كما نجده ملقبا بالسردوك، وذلك لسببين اثنين:
1- انه كان مثل السردوك/ الديك، يحوم حوا أنثى أينما كانت، ولا يتوانى في ذلك…أي أنه كان زير نساء…
2- أنه سرق ديكا عندما كان صغيرا…
بل يخبرنا بألقاب أخرى كان يلقب بها في طفولته، وهي ألقاب تنقيصية، قدحية…لازمته منذ الصغر، وهي(علي رطل)، وقد أطلقه عليه جده لنحافته،وشيطنته…ثم لقب المحروق، لأن أمه صبت عليه زيتا ساخنا وهو يحبو قربها…
ومن الشخصيات الهلامية، العارضة نجد شخصية الجدة،والأب المغلوب على أمره، والإخوة الذين يجلدون باطلا.. والجارة وابنتها…وكلها من مؤثثات النص القصصي، وظفها الكاتب ليعطي لحكي السردوك قوته، وصدقه…وواقعيته…
إن للقصة (السردوك) بداية ونهاية…واتي تمتد عبر سيرورة زمنية محددة…
ونجد القصة تنبني على زمنين: زمن الخطاب، وزمن القصة… بالإضافة إلى زمن القراءة…
وزمن الخطاب في القصة أقصر بكثير من زمن الوقائع الذي يعتمد على مسافات زمنية متباعدة تستغرق 50 سنة.. من الطفولة إلى الكهولة.. وهنا يقوم الكاتب بعملية التلخيص معتمدا على وظيفة الإسراع في وتيرة زمن السرد…
إن زمن القصة يتضمن إشارات زمنية تبين أن هذا الزمن يتوزع ما بين زمن يؤرخ لطفولة السردوك، وصباه،ثم كهولته، والتي هي الحاضر الراهن الذي يتم فيه الحكي…
ومن المؤشرات الزمنية التي نجدهاSad أربعين سنة- مرت أهوال علي-في ذلك الوقت- طال سكوته- توقف عن- قبل ذلك- مدة طوية- حين- من يومها- الصيف-شهر أغسطس- كان لي من العمر عشر سنوات-مر يوم- اليوم التالي- سنوات-الزمن- تجاوز الخمسين- )…
أما الفضاء المكاني الموظف والذي جرت فيه المحاورة فهو المقهى..ومن خلال عملية الانشطار والتشظي للحدث والمواقف نكتشف أماكن وفضاءات أخرى ، منها الشارع، والبيت،والمطبخ…وغرفة النوم…
والجميل في القصة، أنها تعطينا صورة للتنشئة الاجتماعية السائدة في الأسرة العربية…والمبنية – كما أسلفنا- على التحقير، والعقاب، والإذلال، وكسر المعنويات، والتخجيل…والتنقيص،والسب، والعنف…
فنرى الوالد كيف يجلد أبناءه لا يخلو من سادية ، لمعرفة السارق:” وعندما رجع والدي من العمل , نادى إخوتي , وكان يأخذهم واحدا , واحدا إلى غرفة مجاورة فيوثق أياديهم وأرجلهم…ويظل يضربهم حتى يغمى عليهم . بكى إخوتي كثيرا بعد ذلك , وحلفوا بأنهم لا يعلمون شيئا عن القرط “.
كما كانت الأسرة تتفنن في عقابه، وتخترع ألوانا من العقاب..فكانت الأم والجدة لا تتوانيان في وضع الفلفل الأحمر الحارق في فمه وعينيه، دونما تفكير في مدى الألم الذي يسببانه لهذا الصبي” كانت جدتي عجوز خرقاء . وأعتقد بأنها كانت السبب في كل المصائب التي صبها الزمن فيما بعد على رأسي . عمدتني بفضائح لا ذنب لي فيها … وكانت تتابعني وتتربص بي ولا يهدأ لها بال حتى تراني وأنا آتي أمرا تراه مكروها وتمسكني متلبسا . وهات يا ضرب وهات يا بصاق وفلفل أحمر .
كانت أمي هي التي تضع الفلفل الأحمر الحارق في عيني , وأخي صالح يوثقني إلى السرير , وجدتي تبصق ,على مرأى من بقية أخوتي , في وجهي. أما أبي المغلوب على أمره فقد كان يكتفي بالخروج إلى المقهى القريب.)”
كما تقدم لنا القصة صورة الطفل العربي، والذي يحرم من أبسط شيء في حياته، هو الإحساس بانتمائه، وحريته،بالإضافة إلى شعوره بالحاجة إلى الأمان والمحبة، والعطف، والعناية.. والتربية..والاحترام…
غنها صورة طفولية مشوهة، تبين الفقر التربوي الذي تعانيه مجتمعاتنا العربية، وفشل الأسرة في خلق طفل سوي، خال من أي عقدة نفسية..
عن حرص الأسرة على أن يكون طفلها ملاكا، هادئا.. صامتا..ساكنا يجعلها لا تتوانى في اتباع أساليب تقليدية وبدائية وسادية في تربيته، وبالتالي تنشئه على الحرمان، والخوف، والانطواء،والصمت، والخنوع…وبالتالي تترسخ فيه بعض العادات والسلوكات المشينة ، وغير السوية ، مثل السرقة، والكذب، والعدوانية، والتبول اللاإرادي…
إن الأديب كمال عيادي يقدم لنا قصة قصيرة غنية بدلالتها التربوية والنفسية، والاجتماعية، والقيمية…
كما أن أسلوبه في الكتابة، ولغته الموظفة تبين أننا أمام قاص يمتلك أدواته السردية امتلاكا،لا يخلو من فنية وجمالية
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
التنوعيّة في قصة (السردوك) لكمال عيادي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اليسار التقدمي اليمني :: نص على نص-
انتقل الى: