اليسار التقدمي اليمني
كي نرى النور
ساعدني في دفع الظلام قليلاً
أو إمنع عني مخاوفك.
...
حينما أكون واضحاً
أفضل السير مع الأمل بعكازين
على إنتظار طائرة الحظ
والظروف المواتية.

اليسار التقدمي اليمني

منتدى ثوري فكري ثقافي تقدمي
 
الرئيسيةالرئيسية  رؤى يسارية..منترؤى يسارية..منت  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  دون رؤيتك  
بحـث
 
 

نتائج البحث
 
Rechercher بحث متقدم
المواضيع الأخيرة
» مكتبة الشيوعيين العرب
12/12/14, 08:24 am من طرف communistvoice

» سؤال عادل ...
05/01/14, 04:50 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» ماذا يهمك من أكون
05/01/14, 04:38 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» حقيبة الموت
05/01/14, 04:30 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» ثوابت الشيوعية
05/01/14, 04:22 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» جيفارا..قصة نضال مستمر
05/01/14, 04:15 am من طرف عبدالحليم الزعزعي

» مواضيع منقولة عن التهريب
07/10/13, 05:10 pm من طرف فاروق السامعي

» الحزب الاشتراكي اليمني مشروع مختطف وهوية مستلبة وقرار مصادر
14/09/13, 05:42 pm من طرف فاروق السامعي

» صنعاء مقامات الدهشة أحمد ضيف الله العواضي
13/09/13, 04:30 pm من طرف فاروق السامعي

» حزب شيوعي لا أشتراكية ديمقراطية
19/03/13, 05:18 pm من طرف فاروق السامعي

» المخا..ميناء الأحلام ومدينة الكوابيس فاروق السامعي
15/03/13, 03:39 pm من طرف فاروق السامعي

»  قضية تثير الجدل: حجاب المرأة : 14 دليل على عدم فرضيته
20/10/12, 05:56 pm من طرف فاروق السامعي

»  "ضرب الحبيب..معيب"/ حملة ترفض العنف ضد المرأة
20/10/12, 05:40 pm من طرف فاروق السامعي

» "عذريتي تخصّني"، نداء تضامن مع نساء من العالم العربي ريّان ماجد - بيروت - خاص بـ " وكالة أخبار المرأة "
20/10/12, 04:22 pm من طرف فاروق السامعي

» حركة التحرر الوطني التحرر الوطني طبيعتها وأزمتها _ مهدي عامل
06/10/12, 07:07 pm من طرف osama maqtari

ازرار التصفُّح
 البوابة
 الرئيسية
 قائمة الاعضاء
 البيانات الشخصية
 س .و .ج
 بحـث
سحابة الكلمات الدلالية
منتدى

 

في العدد القادم من مجلة صيف

 

 

 واقع ومصير اليسار اليمني ومآلات الخطاب الحداثي الذي كان يمثله اليسار على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي، وما الذي جعله ينكسر ويتراجع في أفق اللحظة اليمانية الراهنة بكل ملابساتها

 

والمشاركة مفتوحة لكل الكتاب حول هذا الملف الهام

خلال أقل من 3 اسابيع
بريد المجلة
sayfye@gmail.com


شاطر | 
 

 تأملات في الماركسية[1]..فالح عبدالجبار

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


ذكر عدد المساهمات : 123
تاريخ التسجيل : 13/08/2010

مُساهمةموضوع: تأملات في الماركسية[1]..فالح عبدالجبار   07/10/10, 05:36 pm

تأملات في الماركسية[1]





فالح عبد الجبار





ان كانت هذه الاوراق تدين بالعرفان لأحد، فهي تدين بذلك، تحديدا، للاستاذ كريم مروة. له وحده يرجع الفضل في التفكير باعادة اصدار طبعة عربية جديدة لرأس المال. وله ايضا الفضل في عقد لقاء فكري عن مستقبل الاشتراكية، في بيروت عام 1996. هذان الحدثان كانا بمثابة المهماز للقيام ببعض الابحاث، واعادة التفكير في بعض الاسئلة. وها نحن اليوم امام مطلب جديد: التفكير في عموم الماركسية، لا البكاء على طلل دَرَس. ومن جديد ايضا تأتي المبادرة من الاستاذ كريم مروة، الذي لا يكف عن القاء الاحجار في مياهنا الراكدة بعناد مشاكس، لايني يحفز ويحرك، فاتحا ابواب الاسئلة على مصاريعها. وانا هنا ادخل من كوة عسى ان ألحق بركب الاسئلة، في مسالكها الوعرة.
***


يقول ماركس، في مكان ما، ان طرح السؤال الصحيح هو نصف الجواب. وفي اعتقادي ان السؤال الارأ:س، هو الآتي

ما هي النظرية الماركسية؟ قد يبدو السؤال نافلا، لكنه برأيي جوهري.

هناك اجابة جاهزة، جامعة، مانعة، تقول ان الماركسية نظرية ثورية تتألف من 3 اقسام هي: المادية التاريخية، والمادية الديالكيتية، والاشتراكية العلمية.الطبيعة والمجتمع والفكر نفسه.

هذا التقسيم المبسط، والشائع، الذي تربت عليه اجيال واجيال من الماركسيين، تقسيم اعتباطي، وزائف، حسب رأيي. اعرف ان هذا القول سيصدم الكثيرين، فهو حكم قطعي بامتياز.

الواقع ان هذا التقسيم الذي ثبت في الادبيات الماركسية السوفيتية اعتبر بمنزلة المقدس. المادية التاريخية (حسب هذا التقسيم): هي تعميم للمنهج المادي على التاريخ. اما التاريخ فهو، حسب المفهوم المتداول، قائم على تشكيلات متعاقبة: المشاعية، العبودية، الاقطاع، الرأسمالية، والاشتراكية.

والاشتراكية العلمية: تنقسم بدورها الى الاقتصاد السياسي للرأسمالية، ثم الاقتصاد السياسي للاشتراكية، منمذجة في قوانين صارمة للانتقال، والتضاد، والتحول. والمادية الديالكتيكية – انها تقوم على اولوية المادة على الوعي، على شمولية التناقض الجدلي (الهيغلي)، وعلى ازواج من المقولات، المادة و الوعي، الجوهر والمظهر، الشكل والمحتوى، الكم والنوع، وهلمجرا.

قلت ان هذا التصوير للماركسية كحقول ثلاثة – فلسفة تاريخ، فلسفة معرفة، ثم اقتصاد سياسي للرأسمالية والاشتراكية، قدم بوصفه كلا معرفيا مكتملا. وقد ثبته الباحثون السوفييت في اقانيم شكلية، ثابتة لا فكاك منها.

الواقع ان هذا التقسيم (الثلاثي) مستمد من مقالة كتبها لينين (مصادر الماركسية الثلاثة) للموسوعة البريطانية Encyclopaedia Britannicaللتعريف بالماركسية. وهو مقال مكثف ومبسط، مطروح للقارئ العام. ويقصد به توضيح مجالات اهتمام ماركس، وحصرها، قدر الامكان، في حقول محددة. اما ان ماركس كان ماديا، فلا مراء في ذلك. واما ان ماركس طرح نظرة فلسفية للتاريخ. فلا مراء في ذلك ايضا. لكنه لم يكتب دراسة للتاريخ. ولم يكن مؤرخا، ولا فيلسوف تاريخ (سآتي على هذه النقطة مرارا). واما ان ماركس كان ماديا وجدليا، في نظرية المعرفة، فلا مراء في ذلك. لكنه لم يكتب ولم يبحث في فلسفة المعرفة. هناك بالطبع اطروحاته الشهيرة عن فيورباخ (ستة اسطر)، وتعليقاته الشهيرة حول ديالكتيك هيغل (بضعة مقاطع). اما كتاب انجلز (الرد على روهرنغ) و"ديالكتيك الطبيعة" فهما تلخيصان لكتابي هيغل: المنطق Die Logic (المترجم الى اللغات كلها – الانجليزية مثلا، والعربية ايضا). وللقسم الاول من كتاب هيغل: فينومينولوجيا الروح (او العقل) او "تجليات العقل"، ان شئنم. وقسمه المتعلق بالطبيعة. وان قراءة الاصل الهيغلي، تغني عن هذين (انتي دوهرنغ وديالكتيك الطبيعة)، بل تكشف عن محدودية قراءة انجلز

قلت ان التقسيم الثلاثي المبسط، للماركسية، على انها "مادية تاريخية" و"مادية ديالكتيكية" و"اشتراكية علمية"، تقسيم مبسط، وان تحويله الى مذهب، او منظومة، كان احد منابع تقويض الماركسية، وثلم حدّها النقدي.

النظرية الماركسية هي نظرية تحليل النظام الرأسمالي ونقده، ونظرية البحث عن الامكانات التاريخية لنقد وتجاوز الرأسمالية، بل ان هذا التحليل، انحصر، موضوعيا، في اوربا الغربية، وكرّس مادة ابحاثه للفترة من القرن السادس عشر حتى القرن التاسع عشر.

بنى ماركس النموذج النظري للرأسمالية وتناقضاته، معتبرا اياه نموذجا كونيا (شاملا) رغم ان الرأسمالية لم تكن في زمانه سوى جزيرة صغيرة وسط محيطات هائلة من انتاج سلعي (حرفي) صغير، وانتاج كفاف، ومشاعيات. اما اليوم فان الانتاج الصغير وانتاج الكفاف، ليسا سوى جزيرة صغيرة في محيط الرأسمالية المتلاطم. وهنا مكمن عبقرية ماركس: بناء نموذج نظري لظاهرة تاريخية (تشكيلة اجماعية – اقتصادية) يستبق اكتمال ونضج هذه الظاهرة نفسها في الواقع.

ان تحليل ونقد الرأسمالية، والبحث عن امكانات تجاوزها يقوم انطلاقا من تطور الرأسمالية ذاتها، تطور قواها المنتجة، وتطور مؤسساتها الاجتماعية والثقافية، كنظام عالمي (وليس كنظام محلي داخل دولة) حدا معينا من التطور يتعذر عليها، بعده، الاسنمرار.

وبودي القول، هنا، ان مهمة نقد الرأسمالية، وتحليل اشكالها المتطورة، المتحولة باستمرار، والبحث عن سبل تجاوزها، مهمة راهنة. وهي اساس استمرار الماركسية ما بعد ماركس. ولكن كيف هي صورة الرأسمالية في النموذج النظري لماركس؟ او: ما هو هذا النموذج؟ ازعم ان الصورة النظرية التي نعرفها، اما مشوهة (النسخة السوفيتية الرسمية) او ناقصة، كما تركها لنا ماركس.

لو عدنا الى خطط ماركس لكتابة "رأس المال" لوجدنا اجابة شافية، ومربكة. شافية لانها (اي الخطط) تقدم لنا البنية النظرية كما ارادها ماركس، ومربكة لأنها (أي الخطط) تكشف لنا ان ماركس لم يسعه، خلال حياته، انجاز هذا العمل النظري الجبار. وتركه مفتوحا. وهذا اروع جانب في نظرية ماركس، خلافا لرعب ستالين والستالينيين منه، حيث سعوا الى جعله مغلقا ناجزا، مكتملا، مكتفيا بذاته – على صورة الدكتاتور المغرور الذي يتصور نفسه مركز الكون، نهايته.

لنعد الى الصورة النظرية للرأسمالية كما تصورها ماركس، في هيئة مخطط، وكما اراد عرضها.

هناك عدة خطط لرأس المال، صيغت بين خمسينات وستينات القرن التاسع عشر. وقد استقرت اخيرا الى خطة رباعية (رغم ثلاثية هيغل!) وهي:

اولا – رأس المال.

(أ – الانتاج ب – التداول. ج – وحدة الاثنين. د – العمل المأجور. هـ - الملكية العقارية. و – تاريخ نظريات "رأس المال").

ثانيا – الدولة.

ثالثا – السوق العالمي.

رابعا – التجارة الدولية.

اذا تذكرنا هذا التقسيم الرباعي، وهو حجر الزاوية في فهم نظرية ماركس، لخلصنا الى نتيجتين: النتيجة الاولى (بخصوص ماركس نفسه)، انه انجز البند الاول من العمل النظري. فرأس المال بمجلداته الثلاثة يغطي الفقرات من (أ) الى (هـ). والمجلد الرابع (تاريخ نظريات فائض القيمة) يغطي الفقرة هـ.

اما البنود ثانيا (الدولة) وثالثا (السوق العالمي) ورابعا (التجارة الدولية) فلم يقدم عنها سوى ملاحظات واشارات دقيقة ومذهلة (لما فيها من تنبؤات حول الشكل الدوري لنشوء الرأسمالية في بلدان زراعية، أي شكل انتشارها من بلد الى آخر)، لكنها ليست مبحوثة بذلك التقسيم العلمي الوارد في المجلدات الخاصة برأس المال.

اما النتيجة الثانية المترتبة على ذلك فهي ان النظام الرأسمالي يقوم على اربعة عناصر مترابطة عضويا، هي الرأسمال، والدولة، والسوق العالمي، والتجارة الدولية. فمعمار العالم، كما اشادته الرأسمالية، هو رباعي المرتكزات. انها تشكيلة كونية.

فالرأسمال، الذي ينمو في اطار قومي، يحتاج الى الدولة، ولا حياة له الا في ظلها وعبرها. وان جريان الاسواق، ونواظم التجارة الدولية، في الاطوار الاولى من الرأسمالية (ما تزال سارية الى حد كبير حتى اللحظة) غير ممكنة الا على اساس بناء الرأسمالية على شكل وحدات قومية (دول) تكون الحامل والناظم لنشاط الرأسمال وعلائقه، لكن حياة الرأسمال انما تكون خارج هذه الوحدات، ولا بقاء له واستمراره الا خارجها ايضا. لم يستطع ماركس دراسة هذه المنظومة الرباعية كلها. هذا اولا، وثانيا ان ما كتبه عن هذا الموضوع (البند الاول مثلا) لم ينشر كله حتى سبعينات القرن العشرين. فمثلا ان الجروندرسية Grundrisse، التي تعتبر المكمل الضروري لرأس المال، لم تنشر الا في الثلاثينات على نطاق محدود، ولم تدرس جيدا. كما ان ماركس ترك لنا مخطوطات 1863 ومخطوطات 1867 عن الرأسمال (نصف مليون ثم مليون كلمة على التوالي)، التي لم تدرس جيدا ايضا. وهذا يمعن في تعميق نقص اطلاعنا على النظرية الماركسية. ويا له من نقص فادح.

قلت ان مارس درس الرأسمالية في موطنها الاساس بريطانيا، وليس المانيا، لان النمط الرأسمالي في هذه الاخيرة لم يكن متطورا بعد! ودرس الملكية العقارية (الريع العقاري) في روسيا، لانها قدمت له الظاهرة في شكلها الصافي. ولكن لا الرأسمالية توقفت، وما كان لها ان تتوقف، عند حدود حياة ماركس. ولا بقي المنهج الذي درس به الظاهرة (كأدوات تحليل واستبطان) على حاله. ماركس لا يعترف بالثبات. فالتغير هو الثابت الوحيد. ويصح هذا على الظواهر قيد الدرس، والمنهج (أداة الدرس) الذي يعاينها. ما بقي ثابتا هو ضرورة نقد الرأسمالية، المستمر، الدائم، المتغير (تبعا للظروف) والبحث عن امكانات تجاوزها انطلاقا من تطورها هي بالذات، لا من تمنيات مصلح او طوباوي.

والحال ان نقد الرأسمالية اليوم، اما منكفئ (باستثناء هبرماس الالماني ونعوم تشومسكي الاميركي)، او يعيش على اوهام الماضي وتصوراته (هذا هو حال جلّ الاحزاب الشيوعية، التي فقدت الرؤية ولا تفعل سوى تكرار جمل عقيمة، من ترسانة اواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين).
* * *


كتب ماركس اذن، او درس، التشكيلة الرأسمالية كما بدأت بالنشوء امام ناظريه، واستطاع ان يدرس، بامتلاء، ويقدم لنا العرض النظري، لركيزتها الاولى، الرأسمال. لكنه لم يكتب مجلده عن الدولة، ولا كتب مجلده عن السوق العالمي، ولا كتب عن التجارة الدولية. بتعبير آخر لم تسمح (امه الطبيعة) له بأن يكمل العمل. لكنه كان واعيا لبنية الرأسمالية كمعمار رباعي: رأسمال، دولة، سوق عالمية، تجارة دولية. ان كل مقولات ماركس، عن التشكيلة، عن البنية الفوقية والبنية التحتية، عن القوانين الاجتماعية بوصفها "ميولا" Tendenzien, tendencies عن البنية الاجتماعية، وكل ملاحظاته الوجيزة عن الدولة والسوق والتجارة الدولية، تنتمي الى هذا الحقل التاريخي المحدد (العهد الرأسمالي)، ولا تنتمي لغيره. غير ان المدرسة السوفيتية – الستالينية، مطتّه قسرا ليشمل التاريخ كله وليشمل كل التشكيلات، وليشمل كل الظواهر، وهو مط وشمول لا تجده الا عند البابوات المعصومين، او في النظم الدينية، الغيبية.

واعود الى التقسيم الثلاثي التبسيطي الذي وضعه لينين لأجل القراء (او القارئ الوسطي) فأقول انه جرى تحويله الى قفص حبست فيه الماركسية، واضفى عليها ادعاءً شموليا مكتملا (ما ابعد ماركس عن ذلك بتواضعه العلمي المشهود!). ولينين نفسه اسهم في هذا بدرجة معينة. فمن جهة نجد لديه توكيدات قاطعة بأن الماركسية "مرشد" عمل، وانها مفتوحة على كل اتجاهات البحث، الى جانب توكيدات قاطعة بأن الماركسية علم كلي القدرة، وكلي الصحة! ليس ثمة علم كلي القدرة ولا كلي الصحة، خصوصا في المجال النظري الاجتماعي. كل ما لدينا هو فرضيات.

هناك تقسيمات لفكر ماركس تخرج من الاطار الثاني (مادية تاريخية، مادية ديالكتيكية، اشتراكية علمية)، الى اطار اكثر تعددا (من ناحية المواضيع) واقل اتساعا (من ناحية المجال – أي قصر نقد ماركس على الحقبة الرأسمالية المعاصرة لا توسيعه على كل التاريخ، رغم اهمية ملاحظاته التاريخية).

دعونا نعاين وجهات نظر ماركس في الصيغة التالية:

1 – الماركسية والتاريخ.

2 – الماركسية ونظرية المعرفة.

3 – الماركسية والمجتمع (البنية الاجتماعية).

4 - الماركسية والدولة.

5 – الماركسية والاقتصاد.

6 – الماركسية والقومية.

7 – الماركسية والعولمة.

من جديد ينبغي ان انبه الى ان هذه الحقول المتعددة (اوسع من التقسيم الثلاثي) مقصورة على التشكيلة الرأسمالية المعاصرة، فماركس هو منظّر تناقضات الرأسمالية وإمكان تجاوزها. كما ينبغي ان انبّه الى ان هذا التقسيم هو اقتراح جديد لمعاينة فكر ماركس من زوايا عدة، وتلمس مواطن قوته وبواطن ضعفه.

سأتناول هذه الحقول منطلقا من قراءات عديدة انجزتها عقول ماركسية عملاقة في الغرب، استطاعت بفضل انفتاح حقل البحث دون قيود، ان تبتدع وتعمّق. وسيكون اساس التناول، كما هو حالنا دوما (أي كما يجب ان يكون)، هو:

أ - ان نظرية ماركس لم تكتمل في حياته.

ب - ان الظواهر التي درسها في تحول مستمر.

ج - ان منهج دراسة الظواهر في تعمق مستمر بفضل الانجازات الجديدة في علوم المنهج.

هذه الاسس الثلاثة تضع على عاتق الماركسيين مهمة عسيرة: استمرار الاطلاع على كل فرع معرفي جديد، او انجاز جديد في فرع معرفي قديم، ورصد حركته النقدية. وهي مهمة تضطلع بها اعداد هائلة من الباحثين، والممارسين من المختصين بالعمل النظري والفكري، والمختصين بالنشاط العملي في تظافرهم المشترك.

لنأخذ الحقول الثمانية المذكورة اعلاه ونبدأ بـ:



اولا – الماركسية والتاريخ



ابتدأت هذا الحقل بعنوان "الماركسية والتاريخ" بدل "المادية التاريخية" عن قصد، حتى لا تضيع نظرة ماركس الحقيقية الى التاريخ او تفقد طابعها الفعلي.

تقدم لنا الستالينية نظرة ماركس الى التاريخ على اساس لوحة ستالين الشهيرة لتسلسل: المشاعية، العبودية، الاقطاع، الرأسمالية، فالاشتراكية. كل تشكيلة مؤلفة من بنية فوقية وبنية تحتية، وطبقات (عدا المشاعية) وتتميز بصراع طبقي. وتصل كل تشكيلة بنمو القوى المنتجة الى نقطة لا تعود علاقات الانتاج تتلاءم معها، فتمزقها، لتنشأ تشكيلة جديدة.

كما قلت سابقا ان مفاهيم البنية الفوقية، والتحتية، وتصادم القوى المنتجة بعلاقات الانتاج، ونشوء تشكيلة جديدة من رحم القديمة مفاهيم تختص في نظر ماركس بنمط الانتاج الرأسمالي، وبه وحده، وليست معممة على كل التاريخ.

لقد كان ماركس على غرار هيغل يرى ان التاريخ البشري، كتاريخ واحد، تشترك فيه كل الحضارات، والشعوب، وان هذا التاريخ ينطوي على انماط تقسيم عمل: مشاعية، وعبودية، واقطاعية، ورأسمالية، وايضا شرقية (نمط الانتاج الآسيوي القديم).

هذا التنميط العمومي (المختلف عن نظرية المراحل الخمسة) يراد به قول ما يلي:

- وجود تطور ارتقائي في التاريخ البشري.

- ان هذا التطور هو عملية عالمية واحد.

- ان نمط الانتاج الرأسمالي هو ثمرة التطور السابق.

- ان هذا النمط الاخير ظاهرة جديدة وليس قديمة قدم الانسان.

اكتسب عرض ماركس للتاريخ شيئا من ملامح الغبش الصوفي للهيغلية، وبخاصة فكرة وجود غائية في التاريخ، أي كأن التاريخ هو ذات تعي نفسها. وهي فكرة انتقدها الماركسيون عموما، لأنها فكرة نافلة.

انتقد الماركسيون اللوحة الخماسية (لوحة المراحل المتعاقبة) التي صيغت في عهد ستالين، واعتبرت بمثابة القفص الحديدي. لاحظ باحثون كثيرون ان النمط العبودي الذي نشأ في اليونان وروما لم ينشأ في بلدان اخرى، وان نمط الانتاج الاقطاعي لم ينشأ لا في اليونان ولا روما، بل في المناطاق الجرمانية (المانيا القديمة، فرنسا، الجزر البريطانية). ان الانتاج الرأسمالي فقد نشأ في بريطانيا وليس في اليونان.

هذا النمط من التناثر لانماط الانتاج (وهي بالاساس انماط تقسيم عمل)، لا يضع رابطة سببية او تعاقبا سببيا بين نشوء العبودية والاقطاع، فالرأسمالية في اليونان او روما القديمة.هناك دوائر حضارية لم تعرف العبودية. واخرى لم تعرف الاقطاع. وبقيت اخرى مشاعية الى يومنا هذا (قبائل استراليا الاصلية قبل الغزو الاوربي). لقد ارادت نظرة ماركس الفلسفية الى التاريخ ان تؤكد على فكرة التطور والتناقض، وعلى الطابع المادي للتطور، الذي لم يكن مدروسا من قبل.

لنأخذ الرأسمالية:

لقد نشأت في اوربا الغربية (بريطانيا، فرنسا) بالتضاد مع الاقطاع، واقترنت بثورات سياسية حادة، بل دامية.

في السويد، حصل الانتقال تدريجيا الى الرأسمالية وبتسويات، ومن دون ثورات. وفي اليابان تولت الميجي الاقطاعية بنفسها بناء الرأسمالية، لأن البوارج الرأسمالية من اميركا ارادت فتح اسواقها بقوة السلاح للتجارة، فاضطرت الى الانتقال من منطلق حماية النفس. الخلاصة اليابانية ان دولة اقطاعية تتولى الانتقال الى الرأسمالية وتخلق طبقة رأسمالية. هناك انماط لا حصر لها من الانتقال الى الرأسمالية لبقاع لم تشهد عبودية، ولا اقطاعا. هذا التنوع من التاريخ يسخر من أي محاولة لحبسه في ما يشبه جدول الضرب.

الخلاصة ان نبذ فكرة اللوحة الخماسية، و(التشكيلات الستالينية) ومعها فكرة وجود انماط انتقال حديدية يفي ماركس حقه وينجيه من مغبة تعميمات لا شأن له بها. لأن ماركس طرح نظرة فلسفية عامة، هي مجرد اطار عام للنظر، وليس تحليلا مفصلا لكل وقائع التطور التاريخي.

وكما قلت فان ماركس لم يكرس قلمه لدراسة تطور الحضارات رغم انه استشهد باحوال اليونان القديمة، ومصر القديمة، وحضارة الانكا والمايا. وان الدراسات المعاصرة عن هذه الحضارات، المتاحة لمن يريد ان يطلع، تقدم لنا استخلاصات مثيرة.

عدا عن تثبيت مفهوم التطور العام، والطابع المادي (انتاج الحياة) لهذا التطور، اراد ماركس ان يشدد على تاريخية نمط الانتاج الرأسمالي ونبذ فكرة انه ازلي، ويشدد ايضا على عناصر اختلافه عما سبقه. ويلاحظ ان امكانات التطور في التاريخ تتخذ اشكالا عديدة:

- تطور ارتقائي، تدريجي Evolution

- تطور قطعي Rupture

- تطور خطي (تراكمي – صاعد باتجاه واحد). (Lineal)

- تطور دوري (ارتدادي ، ومتقدم في آن (Cyclical

هناك ظاهرات في التاريخ تتسم بالتدرج الارتقائي، واخرى بتطور خطي، وثالثة بتطور دوري، ورابعة بتطور قطعي. وما ينطبق على نشوء وحركة الرأسمالية من اشكال تطور، ينطبق على اشكال تجاوزها المحتملة.

لو طبقنا هذه المقولات على انماط الانتقال الرأسمالية او انماط التغير الاجتماعي، لوجدنا امثلة وفيرة، على انتقال هادئ، تدريجي من الاقطاع الى الرأسمالية، ولوجدنا اشكال انتقال قطعية، تخللتها حروب وثورات، ولوجدنا اشكال انتقال خطية، واخرى دورية، ارتدادية، وهكذا. ان هذا التنوع في انماط التطور يعني تعذر وضع وصفة واحدة للتاريخ، لمساره، واشكال تجليه.



ثانيا: الماركسية ونظرية المعرفة



مثلما اقترحت التخلي عن وهم وجود "مادية تاريخية"، واحلال فكرة وجود "نظرة ماركسية الى التاريخ"، اقترح ايضا التخلي عن وهم آخر هو وجو "مادية ديالكتيكية" كاملة، ناجزة، هي الشكل "الوحيد" والأرقى للمعرفة.

تقوم المادية الديالكتيكية على عمودين، العمود الاول هو اولوية المادة على الوعي، وكون الوعي نفسه هو نتاج تطور شكل ارقى من المادة (الدماغ البشري)، والعمود الثاني، ان هناك "قوانين" للديالكتيك تنظم عمليات الطبيعة والمجتمع والفكر.

ان فكرة اولوية الوعي على المادة او اولوية المادة على الوعي قديمة قدم الفلسفة، والنظرات الفلسفية الاولية السابقة لها. وان القول بأولوية المادة على الوعي قديم قدم المادية اليونانية نفسها، شأن الديالكتيك، ولنا الملاحظات التالية:

أ – تقوم مادية القرن التاسع عشر، ونظرية المعرفة اللصيقة بها على ثنائية الذات والموضوع. الذات الواعية، والواقع الموضوعي، موضوع الوعي. هذه الثنائية هي موضع اعتراض منذ بداية القرن العشرين.

فالوحدة الاولى للمعرفة ليست ثنوية (ذات وموضوع)، بل رباعية:

ذات عارفة موضوع معرفة بتوسط اللغة كنظام اشارات لخزن المعرفة ونقلها، وذات اخرى تنقل لها المعرفة.






ذات






موضوع









لغة


ذات










نحن لا ندخل الى أي ميدان اجتماعي بدون توسط اللغة، والدماغ الخازن لاشارات المعرفة المكونة بدورها من نظام معقد (دال – مدلول، اشكال – اصوات – علامات... الخ).

ب – ان نظم المعرفة حبيسة في نظم ثقافية (ثقافات قومية، ثقافات محلية، ثقافة عالمية متداخلة مع الثقافتين القومية والمحلية).

ج – ان الدراسات اللغوية (من البنيوية الى ما بعد الحداثة) قدمت اكتشافات هامة انعزل عنها الماركسيون بالكامل تقريبا (اضطهاد باختين ابرز مفكر في هذا الباب داخل بلاده – روسيا)، من سوسير، اول بنيوي لغوي، الى نعوم تشومسكي احدث العباقرة في هذا الميدان.

د – ان الفلسفة نفسها، التي كانت علم العلوم، تقلصت اليوم الى مجرد حقل صغير يعنى بعلم المعرفة (الابستمولوجيا)، ويشمل المنطق.

هـ - ان علم المنهج Methodology الذي كان اختصاص الفلسفة وركنها الأعز، انفصل عنها، وبات لكل علم منهجه (مناهج علم الاجتماع، مناهج الاقتصاد، مناهج الانتروبولوجيا، مناهج الفيزياء وهلمجرا).

و – ان منطق هيغل الذي لخصه انجلز في كتابيه (انتي دوهرنغ وديالكتيك الطبيعة) يقف متخلفا الآن عن انجازات العلوم الفلسفية وبخاصة في مباحث المعرفة، وان الزمن قد تجاوزه بشوط كبير.

ز – ان علم المعرفة لم يكتف بالخروج عن أسر الفلسفة بل دخل ضمن املاك علم تشريح وفسلجة الدماغ، وعلم النفس.

هل هناك حاجة الى نظرية معرفة خاصة، جامعة، مانعة، في هذا الباب؟ لا اظن. لأنه اولا لا توجد نظرية جامعة، مانعة، بل توجد فرضيات متوسعة وبحث متصل. ولأنه ثانيا تجري هذه البحوث في ميادين اختصاص لا قبل لفرد او حركة ان تلمّ بها.

هل ننقطع عن الاطلاع على هذه الميادين؟ كلا. بل ان ما ألمّ بالماركسية من خور وتراجع يرجع في جانب منه الى انعزال القائمين على فكرها عن تيارات العصر الفكرية الكبرى: البنيوية، علم النفس، ما بعد البنيوية، التفكيكية، او عن مدارس ماركسية هامة مثل مدرسة فرانكفورت، او مدرسة تشومسكي السنديكالية.



ثالثا: الماركسية والمجتمع



درس ماركس بنية المجتمع الرأسمالي، انطلاقا من انجازات المؤرخين الفرنسيين عن الطبقات الاجتماعية، ومن كتابات غيرهم عن بنية "المجتمع المدني"، أي الرأسمالي، (مثل جروتيوس، ومونتسيكيو، وهيغل).

اعتبر ماركس العلاقة بين العمل ورأس المال هي الجوهر البنيوي الذي ينبغي فهم كل العلائق الاجتماعية، في اطاره، وعلى اساسه.

لم يأخذ ماركس اية امثلة من خارج اوربا، لأن الرأسمالية لم تتطور بعد خارجها. كما لم يأخذ جل امثلته الملموسة إلا من بريطانيا وفرنسا بشكل اساس.

رسم ماركس في التجريد النظري طبقتين خالصتين هما الرأسمال = الرأسماليين من هنا، والعمل = العمال من هناك. وهذا التجريد ضروري لدراسة الظاهرة بشكلها النقي. لكن دراسات ماركس الاخرى، اشارت الى وجود طبقات اخرى: الفئات الوسطى (ما يسمى بالبرجوازية الصغيرة)، الفلاحون، الانتلجنسيا. كما ان الرأسماليين، عنده، ليسوا كتلة، نتذكر كتابه "الثامن عشر من برومير لويس بونابرت" (او ثلاثيته الشهيرة في فرنسا) هناك رأسمال صناعي، ورأسمال مصرفي، ينميان مصالح عديدة. كما ان الطبقة العاملة ليست بالكتلة المتجانسة، الموحدة، ولا بالكتلة الجامدة.

اعتبر ماركس الملكية او انعدامها اساس الموقع الطبقي. كما اعتبر المراتب الاجتماعية القديمة (الطبقات الاقطاعية) قائمة على معايير المكانة، الدين، الخ، الموروثة. ودرس اشكال الانتقال من البنى القديمة الى الجديدة. (مجتمعاتنا العربية في طور انتقالي من هذا الى ذاك).

توقع ماركس اتجاهات (tendencies) عديدة بينها:

1 – عملية الافقار المطلق ستؤدي الى تحويل جل الفئات الاجتماعية الى بروليتاريا، أي تحول الاخيرة الى غالبية الشعب.

2 – ان تحطم الفئات الوسطى المتعلمة، سينقل للطبقة العاملة عناصر المعرفة.

3 – ان نظام المصانع سيحول جيش العمل الى قوة منظمة، منضبطة.

4 – تتحول طبقة العمال من طبقة في ذاتها الى طبقة لذاتها في عملية تطور الرأسمالية عينها.

ما تزال المجتمعات الرأسمالية تواصل عمليات التمركز والتركز للثروة المجتمعية، وتعزز سطوة الرأسمال، غير ان تطور الطبقة العاملة لم يسر باتجاه الافقار المطلق. وأدت الثورات العلمية المتلاحقة، الى زيادة الانتاجية زيادة هائلة، وتحويل ثروات متزايدة (قوى عمل + وسائل انتاج) الى ميادين الخدمات (القطاع الثالث) والعسكرة (القطاع الرابع) وصناعة الثقافة (القطاع الخامس؟)، أدى حلول الآلات محل الجهد العضلي اولا، ثم الجهد الفكري للمنتج ثانيا، عبر الاتمتة، الى حصول اتجاهات جديدة في تطور البنية الاجتماعية:

تقلص العمل اليدوي، تقلص الطبقة العاملة، اتساع الفئات الوسطى.

ان توقع ماركس باتساع الطبقة العاملة ظل يتحقق منذ مطلع الرأسمالية (اواسط القرن السادس عشر) حتى منتصف القرن العشرين. بتعبير آخر ان "القوانين" التي رصدها ماركس عملت لفترة، وهي، كما قال ماركس "ميول" وليست قوانين، فالقوانين ثابتة لا تتغير، والميول تتعدل وتتحور.

ولدينا الآن ظاهرة تقلص الطبقة العاملة في الدول الصناعية المستقرة، حيث نشأت الرأسمالية، وعدم تطورها بدرجة كافية في الدول النامية، حيث نقلت الرأسمالية. وهناك حالات وسطية ما تزال تشهد تحقق "ميول" المجتمع الرأسمالي كما رصدها ماركس في حياته.

هذا الوضع بالطبع يعطي الثقل الاجتماعي للفئات الوسطى، وتترتب عليه استنتاجات كثيرة ذات طابع عملي، متروكة للممارسين.

وبالطبع فان هذه الميول الجديدة ليست ازلية هي الاخرى. ولا يستطيع احد ان يعرف على وجه الدقة ما سيحصل للبنى الاجتماعية في حالة التوصل الى مجتمع مؤتمت، أي مسيّر بأجهزة آلية، ذاتية التنظيم والتفكير (على غرار نظم الكومبيوتر الفائقة)، وهل ان مثل هذا المجتمع يوصل احتدام العلاقة بين التملك الخاص للثروة، والطابع المجتمعي الشامل للانتاج، الى مدى اقصى، ويحل، في الوقت نفسه، مشكلة توفر المعلومات اللازمة لتنظيم المجتمع، او تسييره وفق خطة منظمة، بدل الفوضى الضاربة، مع ما يتطلبه ذلك من اعادة توزيع الثروة.



رابعا – الماركسية والنظرية الاقتصادية



يشكل هذا الحقل ألمع وأوسع وأغزر نتاجات ماركس، وتلاميذه، جيل كاوتسكي وبوخارين وهيرشفيلد ولينين، وسواهم.

ينطوي هذاالحقل على عدة مجالات:

1 – المجال الارأس، أي الجوهري، وهو ما حاولت الالماح اليه سابقا، يقوم في هذا: ان نمط الانتاج الرأسمالي، القائم على مبدأ الربح (استخلاص فائض القيمة – المطلق اولا، فالنسبي لاحقا) لا يستطيع العيش بدون توسع (اعادة الانتاج الموسعة)، التي تتطلب توسعا في الاسواق (القومية والعالمية)، ويتحقق عبر التجارة الدولية، بتوسط الدولة (في القرون الاولى) وخارج قيود هذا التوسط في عصر العولمة . يصف لنا ماركس في الجروندريسة[2] Grundrisse وفي الاجزاء المجهولة من رأس المال[3] . ان الرأسمالية تتوسع باطراد، وتخلق بتوسعها القيود والعقبات الخالقة للأزمة، وتحفزها الأزمة على ابتداع حلول وطرق جديدة، فتخرج منها الى توسع أكبر واشد عنفوانا، ويخلق التوسع الجديد قيودا وعقبات جديدة، تستثير بدورها محاولات تجاوز، وهكذا دواليك، حتى تصل الرأسمالية (كنظام عالمي) الى نقطة يتعذر بعدها تجاوز عقباتها هي، فتدق عندئذ ساعة النهاية. هذه هي رؤية ماركس.

هذا النمط من التنبوء النظري يحيلنا الى السؤال الكبير الذي اثاره المؤرخ الماركسي بيتر جوان Peter Gran: ما هي الآماد الزمنية لمثل هذه العملية؟ قرن؟ قرنان؟ سبعة قرون؟ ويجيب: "نحن لا نعرف! لا ندري ان كنا في اواسط عمر التشكيلة الرأسمالية ام في اواخرها! وان القول بمرحلة اخيرة (عليا)، تخمين وحدس قد لا يصمدان امام الواقع."[4]

يواجه الماركسي الواعي المشكلة التالية: ان آماد تطور التشكيلة لا تحسب على غرار آماد حياة البشر. لكن الوعد الثوري بتجاوز التشكيلة الرأسمالية يواجه محنة المصالح المادية الآنية للحركات والطبقات الثورية، فهي تريد تحقيق انجازات، هنا، الآن، وليس انتظار وعد (قد يكون بنظرها مجرد يوتوبيا). هذا الاحتدام بين الآماد (المدة) الموضوعية للتطور، والآماد المحدودة للحياة البشرية يصح هنا على المفكرين، كما يصح على قادة الحركات وانصارها. هذا التضاد يدفع الى تفكير رغائبي، الى "تمنيات" بـ"قرب النهاية". لعل مثل هذا التضاد يقف وراء القول بأن "الامبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" (قد تكون مرحلة وسيطة)، او يقف وراء قول ستالين بامكان بناء الاشتراكية خلال حياة جيل واحد (حياته هو)، او قول (زعم) خروتشوف بأن بناء الشيوعية سيكتمل في التسعينات (من القرن الماضي اثناء رئاسته طبعا).

2 – وضع ماركس صورة (تنميط نظري او نمذجة) للرأسمالية الفردية كما نشأت في بريطانيا، وتنبأ بتحول ملامحها باتجاه الاحتكار. ووصف، معتمدا على الوقائع التاريخية وليس على الحدس، نموذجين لصعود نمط الانتاج الرأسمالي: صعود الحرفي الصغير، او صعود التاجر (أي اما من دائرة الانتاج، او دائرة التداول). ولو قيض لماركس ان يعيش حتى اواسط القرن العشرين، لوسع نموذجه الى عدة انماط:

2 – أ – النمط الفردي/ الرأسمالية الفردية.

2 – ب – رأسمالية الدولة.

2 – ج – الرأسمالية القرابية.

2 – د – خلائط او هجائن من أي اثنين، او حتى هذه الثلاثة.

اذا كان نمط الرأسمالية الفردية مفهوما، فان رأسمالية الدولة انطلقت من البلدان التي جاءت الى الرأسمالية متأخرة بعض الشيء (المانيا، ثم روسيا)، وقد سخر انجلز من الاشتراكيين الالمان، الذين ظنوا ان "قطاع الدولة" هو "بناء اشتراكي". (راجع مقالته عن قضايا السكن وغيرها من الامور في المانيا).

تكشف لنا رأسمالية الدولة والرأسمالية القرابية عن هجائن فرضها التطور (على شكل خطر عسكري من دول متطورة، او منافسة تجارية حادة). اما تطور الرأسمالية القرابية (اندونيسيا، السعودية، ودول اخرى) فيكشف لنا ان نقص المؤسسات الاجتماعية والقانونية الحامية للملكية، ونقص تطور المؤسسات المجتمعية الحديثة، يدفع باتجاه الاحتماء بشبكات القرابة (حتى على مستوى الحرفي الصغير).

لهذه الانماط، او خلائطها تمايزات عديدة، ونتائج سياسية خطيرة. منها ان شكل رأسمالية الدولة لا يسمح بتطور المؤسسات الديمقراطية بل يعيقها، ويعيق بالتالي، تطور الرأسمالية نفسها في المدى البعيد. اما النمط القرابي فانه يضيف الى ذلك عوائق اخرى اجتماعية وثقافية.

3 – درس ماركس المكونات القطاعية للرأسمالية على اساس ثنائي:

القطاع الاول (انتاج وسائل المعيشة).

القطاع الثاني (انتاج وسائل الانتاج).

تطورت هذه البنية القطاعية في عدة اشكال تبعا لمستوى تطور القوى المنتجة. فكلما ازدادت القوة المنتجة تعاظما، قل العمل الضروري اللازم لانتاج وسائل المعيشة ووسائل الانتاج اللازمة لها. وزاد العمل الفائض المكرّس للحاجات الاخرى. ويلاحظ ان لدينا في الاقل ثلاث بنى قطاعية، حاليا:

3 – أ – الرأسمالية المتطورة – تحركت على النحو التالي:






قطاع خامس
قطاع رابع

قطاع ثالث

قطاع ثاني

قطاع اول






انتاج وسائل معيشة

وسائل انتاج

خدمات

عسكري

صناعة الثقافة








بلغ التصنيع و الانتاجية الرأسمالية شأنا عظيما اليوم بحيث ان قطاع "صناعة الثقافة culture Industry" يستوعب اليوم 40% من قوى العمل في الولايات المتحدة مثلا.



3 – ب – رأسمالية الدولة الاجتماعية (البلدان الاشتراكية):




قطاع ثاني

انتاج وسائل الانتاج

التصنيع

قطاع رابع

عسكري

قطاع اول




















لم تستطع دول التجربة الاجتماعية الوصول الى قطاع خدمات متطور، او قطاع خامس اكثر تطورا. وبقيت عواصم مثل موسكو ووارشو، تفتقر الى جهاز استنساخ، او فاكس، حتى الثمانينات!



3 – ج – رأسمالية الدولة الخليطة




القطاع الثالث

النفط






او الريع

خدمات








يفتقر هذا النموذج الى القطاع الثاني، الذي تقرر الانتاجية فيه مستوى تطوير ما يليه من قطاعات. كما يتميز بضعف القطاع الاول (انتاج وسائل المعيشة)، ولما كان الريع المستمد من الصناعات الاستخراجية (النفط) او بيع الخدمات السياسية والامنية والعسكرية للدول الغنية، عرضة للتقلب، فان التطور السريع لقطاع الخدمات يقف على رمال رخوة.

الخلاصة: المكونات القطاعية في تغير وتحول مستمرين، وان هذه التحولات مقبلة على ثورة كبرى، في حال تعميم الاتمتة.

4 – يتميز النظام الرأسمالي العالمي اليوم بتداخل واسع ومتشعب، يزج شعوب الارض قاطبة. ولم يعد هذا النظام معتمدا على دولة ضامنة (انجلترا في القرن التاسع عشر، واميركا حتى عام 1973، عام سقوط اتفاقية "بريتون وودز" الضامنة للمبادلات العالمية بالدولار).

ويتسم الوضع الحالي بأن التأثيرات المتبادلة للانتاجات القومية (كوحدات مؤلفة للبنية الكلية) يخلق وضعا خارج سيطرة أي وحدة منفردة فيه، مما يدفع باتجاه العمل الجماعي (الاتحاد الاوربي، مجموعة السبعة – صارت ثمانية – الكبار).

لاحظ مثلا التدخل الهائل لمعالجة الانهيار المالي في المكسيك (ضخ عشرات المليارات)، او معالجة الوضع الكوري الجنوبي (احد النمور الآسيوية)، او معالجة الوضع الاندونيسي. لقد ضخت الرأسمالية العالمية، عبر قنواتها الناظمة (البنك الدولي، صندوق النقد الدولي) ما يقارب 200 مليار دولار لمعالجة أزمات ثلاثة بلدان ليست متطورة ولا اساسية في المنظومة.

والاستنتاج الاولي، ان المنظومة الكونية للرأسمالية لا تستطيع العمل بصورة متسقة، سلسلة، خالية من الأزمات، الا بسير كل اجزائها سيرا "طبيعيا"! بتعبير آخر ان منابع الأزمة في الرأسمالية عممت على سائر مكونات المنظومة، بدرجات متفاوتة الشدة بالطبع. كما ان الجهد التدخلي التنظيمي بات اكبر وأوسع. ولكن ماذا سيحصل، ومن سيضخ لمن، اذا اندلعت الأزمة في اكثر من موقع، وفي آن واحد!

بودي الاسترسال حول تحويرات بنية الانتاج (حلول الآلات محل العمل الفكري)، وتحويرات قانون القيمة الماركسي (الخاص بسلع الصناعات التحويلية) الى مظاهر جديدة لقوانين سلع صناعة الثقافة (دقيقة اعلان بخمسة ملايين جنيه، او سعر لاعب كرة قدم بـ55 مليون جنيه، او سعر صورة او صوت لمغن شهير... الخ).

ان "موت" الماركسية "المعلن" سيثبت زيفه في اول أزمة واسعة، آتية. والغريب، كما تقول احدى الصحف الليبرالية البريطانية، ان "اتباع" ماركس، يهجرونه، اما المنظمون الرأسماليون فيعيدون اكتشافه! ويعلنون بدهشة: ان توقعات ماركس حول سيطرة الاقتصاد على السياسة صائبة، وتتحقق الآن امام ناظرينا، وان الأزمات المصاحبة للنمو، جزء من التكوين البنيوي للرأسمالية.

هذه المفارقة مفهومة. فـ"الاتباع" يهجرون الماركسية بصيغتها الميتة، أي التي عرفوها ناقصة مشوهة، اما الرأسماليون فقد تحرروا من عقدة العداء لماركس، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وصاروا يرونه بتوازن اكبر. ما احوجنا الى ان نصاب بعدوى رؤيته بتوازن اكبر، ووضوح اشد.



خامسا – الماركسية والدولة[
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://ysar.hooxs.com
 
تأملات في الماركسية[1]..فالح عبدالجبار
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
اليسار التقدمي اليمني :: صالة الجاوي-
انتقل الى: